ضياع استراتيجي: نتنياهو يفقد القدرة على الخروج منه
أمير مخول، مركز تقدم للسياسات
هددت إيران مساء 20 يونيو 2026 بإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، وذلك رداً على الغارات الكثيفة التي تشنها إسرائيل في لبنان. بعد وقت قصير من التصريحات الإيرانية، أصدر بنيامين نتنياهو أوامره للجيش بالتوقف عن إطلاق النار في لبنان، من دون الانسحاب من المناطق التي يسيطر عليها. وفي بيانه الذي أشرك فيه وزير الأمن كاتس، أعلن نتنياهو أن الجيش سيرد بقوة على كل خرق يحدث، مشيراً إلى الغارات المكثفة والعنيفة في الأيام الأخيرة.
اكتظت عناوين الصحف ومواقع التواصل، بما فيها اليمينية، بإدانة نتنياهو لكونه يرضخ لقواعد اللعبة التي تفرضها إيران في علاقتها المباشرة مع واشنطن. كما أشارت الصحف إلى أن الأمر بوقف إطلاق النار هو نتيجة مباشرة لتهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز. وأضافت وسائل الإعلام، بنوع من التوافق فيما بينها، أن نتنياهو فقد القدرة على اتخاذ القرار، أو أنه يتخذ قرارات لحظية لها إسقاطات استراتيجية على وضع إسرائيل، وأمنها القومي وأمن مواطنيها وجنودها.
كان لافتاً صباح يوم السبت 20 يونيو تنظيم أمهات الجنود تظاهرة أمام منزل قائد الأركان، وليس أمام منزل نتنياهو، وقد طالبن بالكف عن تعريض حياة الجنود للخطر بعد تصاعد عدد القتلى في صفوف الجيش، بمن فيهم ضابط رفيع المستوى قائد كتيبة. وهو ما تبعته الغارات الأكثر كثافة في الأسابيع الأخيرة.
في الخلاصة؛ المتغير الجوهري إقليمياً ودولياً هو أن وزن الدول المعنية بالاستقرار إقليمياً يفرض نفسه على إدارة ترامب، فيما تواجه إسرائيل مأزقاً استراتيجياً يتعلق بتراجع الأثر إقليمياً ودولياً، وبالتباعد مع الإدارة الأمريكية والتحولات في الرأي العام الأمريكي التي توحي بأن التباعد ليس لحظيا، ففعلياً هناك إجماع بصدد الفجوة الهائلة بين القدرات العسكرية والتفوق على إيران، بينما تخسر الحرب التي ترتد عليها. كما يعود الحديث إسرائيلياً إلى أن الاتفاق النووي من العام 2015 كان أفضل لإسرائيل من الاتفاق الحالي، بينما قام نتنياهو في حينه بقيادة المعركة لتقويضه ونجح في ذلك.
يتعمق التقدير بأن نتنياهو، بقيادته لإسرائيل، غير مؤهل لحسم أية معركة في أي ملف، سواء في إيران أم لبنان أم غزة، ولا يتحكم بمنحى التطورات. نتنياهو غير قادر على اتخاذ قرار تصعيد الحرب أو وقفها، بما فيه الانسحاب في أية جبهة، وحصرياً لبنان وغزة. وفي الوقت نفسه، تستحوذ الإدارة الأمريكية على مفاتيح القرار الإسرائيلي، وتتعالى الأصوات التي تنتقد الولايات المتحدة، فيما تؤكد إدارة ترامب أن إسرائيل كانت ستُهزم لولا الولايات المتحدة. في المقابل سيحاول نتنياهو حالياً عدم الانسحاب من لبنان من خلال اللعب الذي يبدو في الوقت الضائع بالنسبة له، لكون استحقاقات السيادة اللبنانية تتصدر مفاوضات واشنطن بين إسرائيل ولبنان، فيما يبدو من المتعذر حالياً إبقاء إسرائيل على سيطرتها كما هي في لبنان، إذ بات الأمر يهدد مجمل الاتفاق الأمريكي-الإيراني.
تراجع أهلية نتنياهو لرئاسة الحكومة وفقاً للاستطلاعات وتفوّق إيزنكوت عليه، بالإضافة إلى وجود أغلبية 59% من الإسرائيليين يريدون من نتنياهو ألا يترشح لدورة جديدة، إنما هو مؤشر للقناعات الإسرائيلية والأمريكية بضرورة تنحيه أو خروجه من المشهد السياسي. هذا المأزق قد يدفع به نحو الانسحاب من الحلبة السياسية، أو على النقيض من ذلك، إلى المقامرة والسعي لإرجاء الانتخابات وأن يقول "لا" لترامب، مضحياً بالعلاقات الاستراتيجية الحيوية الأهم لإسرائيل مع الولايات المتحدة، والتي يصفها ترامب بأنها الشرط لوجود إسرائيل كما صرح الأسبوع الفائت.
المصدر:
كل العرب