بين سويسرا وغزة: كيف تحوّل الملف الفلسطيني إلى رهينة في يد حكومة نتنياهو؟
بقلم: محمد دراوشة
بينما تنشغل واشنطن وطهران بجولات تفاوضية هادئة في سويسرا، بحضور قوي للملف اللبناني, يبقى الملف الفلسطيني غارقًا في حالة شلل متعمّد، وكأن الزمن توقف عند حدود غزة. المفاوضات الأميركية‑الإيرانية تتحرك بخفة ورشاقة، فيما تتعثر المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة عند كل فاصلة ونقطة. هذا التناقض الفجّ يكشف حقيقة يعرفها الجميع ويتجنب كثيرون قولها بصوت عالٍ: الملف الفلسطيني لم يعد ملفًا سياسيًا، بل أصبح أداة ابتزاز داخلي في يد حكومة إسرائيل اليمينية.
حكومة نتنياهو تتعامل مع غزة كما يتعامل المقامر مع ورقة رابحة يحتفظ بها للحظة المناسبة. كلما اشتدت عليه الضغوط في ملف الفساد، أو انكشف عجزه في الجبهة اللبنانية، أو بدا ضعيفًا أمام إيران، يلوّح بالملف الفلسطيني ليُرضي جمهوره اليميني المتطرف. غزة بالنسبة له ليست مأساة إنسانية، ولا أزمة سياسية، بل خشبة خلاص يستخدمها كلما احتاج إلى إثبات أنه ما زال “الرجل القوي” الذي لا يتنازل. هذا ليس تحليلًا عاطفيًا، بل ما تقوله صحف إسرائيلية مثل هآرتس التي وصفت سياساته بأنها “إدارة أزمة بهدف البقاء السياسي، لا بهدف الحل”.
الولايات المتحدة، من جهتها، تُظهر قدرة لافتة على التحرك السريع عندما يتعلق الأمر بإيران. فهناك مصالح استراتيجية، نفط، أمن إقليمي، واستقرار أسواق عالمية. أما غزة، فهي بالنسبة لواشنطن ملف حساس انتخابيًا، معقد داخليًا، ومكلف سياسيًا. لذلك تفضّل الإدارة الأميركية — كما تقول تحليلات Brookings وForeign Policy — إدارة الأزمة بدلًا من حلّها. ضغط خفيف هنا، تصريح ناعم هناك، لكن دون أي خطوة حقيقية تُلزم إسرائيل بإنهاء المماطلة.
نتنياهو يعرف ذلك جيدًا. يعرف أن واشنطن لن تفرض عليه ثمنًا سياسيًا، وأن الكونغرس منقسم، وأن أي ضغط أميركي سيُستغل داخليًا ضده. لذلك يماطل بلا خجل، ويُبقي المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار معلّقة، ويحوّل حياة مليوني إنسان في غزة إلى ورقة مساومة داخلية. حتى الصحافة الإسرائيلية غير اليمينية، مثل يديعوت أحرونوت، تقول بوضوح إن “نتنياهو يربط كل خطوة في غزة بمصيره السياسي”.
المفارقة المؤلمة أن العالم يتعامل مع المفاوضات الأميركية‑الإيرانية كملف استراتيجي يجب إنجازه، بينما يتعامل مع غزة كملف ثانوي يمكن تأجيله. لكن الحقيقة أن هذا التأجيل ليس بريئًا. إنه جزء من لعبة سياسية ثلاثية: حكومة إسرائيل اليمينية التي تستخدم غزة كدرع سياسي، إدارة أميركية مترددة تخشى المواجهة، ومجتمع دولي يكتفي بالتصريحات.
وفي النهاية، يدفع الفلسطينيون الثمن — كما يدفعه الإسرائيليون الذين يعيشون في ظل حكومة تُفضّل البقاء السياسي على الأمن الحقيقي. أما نتنياهو، فيواصل اللعب على كل الحبال: يفاوض في سويسرا عبر الأميركيين، يهدد في لبنان، يلوّح بإيران، ويُبقي غزة معلّقة بين الحياة والموت، فقط ليضمن أن ائتلافه اليميني المتطرف سيبقى راضيًا عنه.
هذا ليس عجزًا سياسيًا، بل اختيار متعمّد. اختيار يثبت أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تبحث عن حلول، بل عن أزمات تُطيل عمرها. وبينما تتحرك الملفات الإقليمية بسرعة، يبقى الملف الفلسطيني رهينة في يد حكومة لا ترى فيه إلا فرصة جديدة للهروب من الفشل.
المصدر:
كل العرب