غزة في حسابات معهد الامن القومي الإسرائيلي:
الفراغ الاستراتيجي وخيار التجزئة
أمير مخول – مركز تقدّم للسياسات
تحت عنوان "البدائل لقطاع غزة بعد الحرب مع ايران" أصدر المعهد الاسرائيلي لدراسات الأمن القومي (18 أيارمايو 2026) ورقة سياسات حول الواقع الراهن في غزة والتي أعدها الباحثان عوفر جوترمان واودي ديكل. من المتوقع بموجب الورقة أن يعود الاهتمام الأمريكي والإقليمي والإسرائيلي بقطاع غزة مع انحسار الحرب ضد إيران وذلك رغما عن التوترات وحالة الترقب القائمة مع ايران. كما ينظر المعهد بقلق الى الفراغ الاستراتيجي الذي حدث في غزة نتيجة انشداد الأنظار الى ايران ولبنان، والذي استغلته حماس بشكل كامل. كما ان الحركة لم تستجب لمطلب نزع السلاح ضمن الجدول الزمني الذي حُدّد بستين يوما، ومن ثم رفضت في هذا الصدد خطة ميلادينوف المسؤول التنفيذي لمجلس السلام وذلك ضمن مساعي الحركة لاستعادة الحكم والسيطرة المنهجية على المساعدات الإنسانية بوصفها أساسا ماديا لترسيخ حكمها.
في المقابل يقوم الموقف الإسرائيلي على منع حماس من إعادة بناء قوتها وفقا للتقرير، فيما لا تريد إسرائيل أي ترسيخ لدور السلطة الفلسطينية في القطاع. هذا مع الاخذ بالحسبان ان حرية التحرك الإسرائيلي الحربي في القطاع باتت محدودة ومحصورة جغرافيا نظرا لاستحقاقات مجلس السلام، ما يجعل قطاع غزة مقسماً بين حماس وإسرائيل ويتيح للحركة الحفاظ على سيطرتها دونما الاصطدام مع إسرائيل.
ثلاثة خيارات أمام إسرائيل
يقدم معهد دراسات الامن القومي ثلاثة خيارات؛ تبدأ بالتنفيذ الكامل لخطة النقاط العشرين لانهاء الحرب بضمان ضغط إقليمي منسّق ودخول حكومة التكنوقراط الى القطاع وتسلم مهامها، وتوافق فلسطيني وإنهاء الفيتو الإسرائيلي على اعتماد دور السلطة الفلسطينية وقوات الأمن الفلسطينية وهو الأكثر قبولا على الشعب الفلسطيني وضمانة للاستدامة. يقوم الخيار الثاني على تطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب على مراحل تقوم على البدء بإعادة الاعمار في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل والتضييق على حماس في المناطق التي تسيطر عليها. ستُنقل صلاحيات الأمن المدني والداخلي إلى حكومة التكنوقراط والشرطة الفلسطينية، وسينسحب الجيش الإسرائيلي بعد ذلك إلى "محيط أمني محدود من الخط الأصفر"، مع احتفاظه بمسؤولية أمنية متزايدة. وطالما تم إعادة تأهيل هذه المناطق، فسيكون من الممكن تشجيع انتقال السكان الفلسطينيين من المنطقة الحمراء التي تسيطر عليها حماس. اما الخيار الثالث فهو العودة إلى حرب واسعة النطاق واحتلال كامل لقطاع غزة لنزع سلاح حماس وجناحها العسكري، مع تولي مسؤولية مدنية عن السكان الفلسطينيين.
يعتقد المعهد بأن غزة في طور العودة الى واجهة الاحداث والاهتمام دوليا كما سيتسارع هذا المنحى مع انتهاء الحرب ضد إيران من قبل الولايات المتحدة. يحذر التقرير من وقوع إسرائيل في مطب الفراغ الاستراتيجي في حال لم تحدد وجهتها.
وإذ يرى المعهد ان خيار تطبيق خطة ترامب بكامل بنودها غير وارد، وحصريا لتراجع اكتراث الولايات المتحدة في حال نجحت في وقف الحرب ضد إيران. وفقا لهذا المنطق وفي حال أخفقت الجهود لوقف الحرب مع إيران وجرى التصعيد الحربي، ستجد الولايات المتحدة حاجة الى انجاز إقليمي يعوّض عن اخفاقها الاستراتيجي في الحرب الإقليمية، وعندها سيكون انهاء الحرب على غزة وتطبيق خطة ترامب بالكامل أولويةً أمريكية.
بناء عليه يتمسك المعهد بخيار تقسيم غزة الى منطقتي نفوذ إسرائيلية وحمساوية للمدى المنظور وبدء الاعمار في القسم الخاضع لسيطرة إسرائيل، ويرى أن مثل هذا الخيار يعني توزيع المرحلة الثانية من خطة انهاء الحرب الى خمس مراحل، تتأسس على تقاسم السيطرة الحالي القائم فعلياً على الأرض.
في الخلاصة
يتعاطى تقرير معهد دراسات الامن القومي مع الخيارات الأمنية وبعيدا عن الخيارات السياسية بما فيه حل إسرائيلي فلسطيني أياً كان، فيما فعليا يرى بأهمية اعتماد دور أساسي للسلطة الفلسطينية وقوات الأمن التابعة لها، الى جانب حكومة التكنوقراط، والمجلس التنفيذي لمجلس السلام. كما يطالب الحكومة الإسرائيلية برفع الحظر على أخذ السلطة الفلسطينية لدورها في قطاع غزة.
يرى التقرير أن إسرائيل تجد نفسها في حالة فراغ استراتيجي في غزة نتيجة للحرب الإقليمية في إيران ولبنان، وبأن الوضع الناشئ في القطاع يصب في صالح حكومة إسرائيل وفي المقابل حماس، وكلٌّ لاعتباراتها، فيما يتم على الأرض تقسيم القطاع الى منطقتي نفوذ إسرائيلية وحمساوية. ومفاد ذلك استدامة السيطرة الإسرائيلية على نحو 60% من مساحة القطاع، مقابل سيطرة حماس على ما يطلق عليه المعهد "المنطقة الحمراء". كما ينوه الى ان هذا الخيار يتعارض مع إرادة الشعب الفلسطيني ومع المستويين العربي والإقليمي. كما سيبقى الامر على هذه الحال الى حين اتخاذ قرار امريكي حازم وهذا يبدو مستبعدا حاليا.
يشير التقرير الى ان اخفاق الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها في إيران، من شأنه ان يدفع إدارة ترامب الى إعطاء أولوية لملف غزة وانهاء الحرب، وذلك من باب المصلحة الامريكية في تدارك التراجعات الاستراتيجية التي سببتها الحرب على ايران.
يرسخ التقرير النوايا الإسرائيلية في عدم الاقدام على التطبيق الكامل لخطة ترامب، بل الى اعتماد مبدأ تجزئة مراحلها وحصريا المرحلة الثانية الى مراحل ثانوية لا تؤدي بالضرورة في حال إنجازها الى انسحاب إسرائيلي من غزة، بل الإبقاء على منطقة عازلة إسرائيلية وبشكل ثابت حتى ولو جرى تقليص مساحات السيطرة الحالية.
يعكس التقرير انسداد الأفق في الحالة السياسية الإسرائيلية، فمعهد دراسات الامن القومي يعتبر من مراكز الأبحاث الوازنة وذات الأثر على السياسات، الا انه لا يقدم أي مخرج سياسي باستثناء الحلول الأمنية.
يشير التقرير الى أن هشاشة بنية مجلس السلام والمجلس التنفيذي، ومنع حكومة التكنوقراط من ممارسة مهامها من غزة، ومنع قوات أمن السلطة الفلسطينية من أي دور، كلها تدل على ان الحل لا يزال بعيد المنال وأن معاناة الشعب الفلسطيني في بيئة طاردة للحياة سوف تتواصل وتتعمق.
اعتماد مبدأ عدم التنفيذ الكامل لخطة انهاء الحرب وتجزئة مراحلها الأساسية الى مراحل ثانوية، من شأنه لو تمّ تبنّيه ان يؤدي الى عدم تطبيق الخطة بالكامل وترسيخ الوجود الإسرائيلي في القطاع. كما انه يتماشى مع نهج إسرائيلي طويل الأمد في الاتفاقات الموقعة، وحصريا اتفاقات أوسلو التي باتت إسرائيل فعليا تتنكر لها ولا تكترث لاستحقاقاتها.
تبقى تقديرات معهد دراسات الامن القومي والخيارات التي يطرحها باحثوه محدودة، اذ أن الموقف الأمريكي هو ما سيحسم الخيار الإسرائيلي، مع استثناء مرحلي آني وهو ان الانتخابات الإسرائيلية ستكون معوّقاً إضافيا وجوهريا لأي احتمال بالتقدم نحو تطبيق خطة وقف الحرب.
المصدر:
كل العرب