آخر الأخبار

وجوهٌ مُزَيَّفَة في زمنِ الضجيج..!

شارك

أصابني المللُ والكآبةُ من هذا الكمِّ الهائلِ من المداهنةِ والنفاقِ الذي باتَ يملأُ الخطاباتِ الرنّانة، حتى أصبحت الكلماتُ الجميلةُ مجرّدَ غطاءٍ هشٍّ لواقعٍ فارغٍ ومشوَّه، فما نراهُ اليومَ في كثيرٍ من الأحيان ليسَ إعلامًا حقيقيًّا، بل “إعلامٌ تسويقيٌّ كاذب”، تُصنعُ فيه الشخصيّاتُ صناعةً، وتُمنحُ الألقابُ قبلَ الإنجاز، وتُرفَعُ الوجوهُ بالتصفيقِ والمجاملةِ لا بالكفاءةِ والاستحقاق..

لقد تحوّلت صفحاتُ التواصلِ الاجتماعي إلى مسارحَ مفتوحةٍ للاستعراض، حتى غدا الضجيجُ أعلى من صوتِ الحقيقة، وأصبحَ بعضُ الناسِ يبحثونَ عن الشهرةِ السريعةِ ولو على حسابِ القيمِ والصدقِ والوعي..

نرى التهانيَ والمباركاتِ تُوزَّعُ قبلَ أن تُحصدَ النتائج، وكأنّنا نعيشُ زمنَ الاحتفالِ بالأوهامِ لا بالإنجازات،والمؤلمُ أكثر، أنّ هذه المظاهرَ المصطنعةَ بدأت تُنتجُ مجتمعًا مرتبكًا، تتقدّمُ فيه المظاهرُ على الجوهر، وتُقاسُ فيه قيمةُ الإنسانِ بعددِ المتابعينَ والمصفّقين، لا بحجمِ عطائهِ وفكره وأخلاقه..


فكم من أصحابِ الكفاءةِ أُقصُوا لأنّهم لا يُجيدونَ التزلّف، وكم من فارغٍ تصدّرَ المشهدَ لأنّه أتقنَ فنَّ التمثيلِ الإعلاميّ،إنّ أخطرَ ما نمرُّ به اليوم ليسَ فقطَ الأزمةَ الاقتصاديةَ أو الاجتماعية، بل أزمةُ وعيٍ وأخلاقٍ ومعايير.. فحين يُصبحُ النفاقُ سلوكًا طبيعيًّا، والتملّقُ وسيلةً للوصول، لا عجبَ أن ينتشرَ العنفُ والانفلاتُ والتفكّكُ داخلَ مجتمعاتِنا العربية، التي كانت — رغمَ ضيقِ الحالِ وقِلّةِ الإمكانيات — أكثرَ دفئًا ومحبةً وتكافلًا..

لقد عرفنا زمنًا كانَ الإنسانُ فيه يُحترمُ لأخلاقه، لا لصورتِه خلفَ الشاشات، وكانت للكلمةِ هيبتُها، وللكبارِ مكانتُهم، وللجيرةِ معناها الحقيقيّ،أمّا اليوم، فقد اختلطَ الصادقُ بالمزيّف، وأصبحَ الباحثُ عن الحقيقةِ غريبًا وسطَ هذا الضجيجِ المفتعل..

فإلى أين نحنُ ذاهبون؟ وهل سنبقى أسرى لهذه الوجوهِ التي تعيشُ على التصفيقِ والتلميعِ والتسويقِ الفارغ؟ وهل سيأتي يومٌ نعودُ فيه إلى رشدِنا المفقود، فنُعيدُ الاعتبارَ للكفاءةِ والصدقِ والضميرِ والعملِ الحقيقيّ؟،،فإلى متى نبقى نُصفّقُ للصُّورِ وننسى الجواهر؟،، وإلى متى يُرفَعُ أصحابُ الضجيجِ بينما يُهمَّشُ أهلُ الفكرِ والقيم؟..

لقد أصبحَ الصادقُ متَّهمًا، وصاحبُ المبدأِ غريبًا، أمّا المتلوّنونَ فقد أتقنوا لعبةَ الظهورِ حتى صدّقوا أنفسهم أنّهم صُنّاعُ المجد..،غيرَ أنّ الحقيقةَ لا تموت، والوعيَ وإن تأخّر لا بدَّ أن يصحو، وحينها ستسقطُ الأقنعةُ مهما طالَ زمنُ التمثيل..فالمجتمعاتُ لا تنهضُ بالنفاقِ، بل تنهضُ بالعدلِ والكفاءةِ والضميرِ الحيّ..

اللهم أني قد بلغت لغة الصدق والألم وفق الحس والحدس اليومي الذي يتراكم سلبا دون الحراك او الاحتجاج.. وان كنت على خطأ فيقوموني.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا