أميركا اسرائيل وإيران … حرب الهيمنة وطريق النهاية
بقلم: خالد خليفة
منذ سنوات طويلة، شكّلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، محورًا أساسيًا للصراع في الشرق الأوسط. لكن الحرب الأخيرة بين هذه الأطراف لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى معركة سياسية واستراتيجية كشفت حجم التغييرات العميقة التي يشهدها العالم والمنطقة معًا. فالحرب التي بدأت تحت شعارات “إضعاف إيران والقضاء على نظام الثورة الإسلامية وإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط” انتهت بواقع مختلف تمامًا عمّا خُطط له في واشنطن وتل أبيب.
وتتصاعد النقاشات داخل الأوساط السياسية والإعلامية في الولايات المتحدة في هذه الايام، وخاصة في أوساط اليمين الأمريكي المؤيد لإسرائيل، حول الدور الذي لعبه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو هذه الحرب. وقد ظهر ذلك بوضوح بعد الانقسامات الكبيرة داخل التيار المحافظ نفسه، حيث خرج عدد من الشخصيات الإعلامية والسياسية التي دعمت ترامب سابقًا لتهاجم سياساته الخارجية وتعتبر أن نتنياهو كان السبب الرئيسي في إدخال الولايات المتحدة في مواجهة خطيرة ومكلفة في الخليج.
ويرى الكثير من المحللين وخاصة في أوساط حركة MEGA أن نتنياهو نجح خلال السنوات الماضية في إقناع الإدارة الأمريكية بأن القضاء على إيران هو الطريق الوحيد لضمان التفوق الإسرائيلي في الشرق الأوسط. وقد اعتمدت هذه الرؤية على فكرة أن النظام الإيراني يمكن إسقاطه بسرعة من خلال ضربات عسكرية مركزة تستهدف القيادة السياسية والعسكرية، تمامًا كما حدث في بعض التجارب الأمريكية السابقة في دول أخرى كفنزويلا العراق وافغانستان.
ولكن الواقع الإيراني كان مختلفًا تمامًا عن تلك الحسابات. فإيران ليست دولة صغيرة أو معزولة، بل هي قوة إقليمية تمتلك شبكة واسعة من الحلفاء والنفوذ العسكري والسياسي في المنطقة. ولهذا، فإن أي حرب مباشرة ضدها كانت تحمل خطر الانفجار الإقليمي الواسع منذ اللحظة الأولى.
أي ان الحرب الجوية والبحرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على مدى أسابيع من جهة، وإيران من جهة أخرى، كشفت حجم التعقيد، الكلفة العالية وعدم تحقيق الاهداف لهذه الحرب الفجائية والغير مدروس ابعادها. فقد استخدمت واشنطن وتل أبيب قوة عسكرية هائلة، شملت آلاف الغارات والصواريخ ومحاولات فرض حصار بحري على الخليج ومضيق هرمز، بهدف إنهاك إيران وإجبارها على التراجع. إلا أن الرد الإيراني جاء سريعًا وعنيفًا، حيث استهدفت القواعد الأمريكية في المنطقة، ووسّعت دائرة التوتر لتشمل الخليج بأكمله كما استهدف العمق الإسرائيلي بالصواريخ وبقوة غير مسبوقة.
وخلال تلك الفترة، عاش العالم حالة من القلق بسبب المخاوف من انهيار إمدادات الطاقة العالمية وإغلاق مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات النفطية في العالم. كما بدأت الأسواق العالمية تشهد اضطرابات اقتصادية كبيرة، وارتفعت أسعار النفط بصورة حادة، بينما دخلت العديد من الدول في حالة ترقب خوفًا من توسع الحرب إلى مواجهة دولية مفتوحة.
ولكن أخطر ما كشفته هذه الحرب لم يكن حجم الدمار، بل حدود القوة الأمريكية نفسها. فبعد عقود طويلة من الهيمنة العسكرية المطلقة في الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى من العالم، بدا واضحًا أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها واجندتها العسكرية بسهولة كما حدث في الماضي. وقد أظهرت الحرب أن أي مواجهة واسعة مع دولة بحجم إيران ستكلف واشنطن أثمانًا سياسية وعسكرية واقتصادية هائلة.
أما إسرائيل، التي كانت تراهن على إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة والقضاء على نظامها، فقد وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا. فبدلًا من تراجع إيران، بدا أن الحرب عززت حضورها الإقليمي وأعطتها قدرة أكبر على التأثير في الخليج والشرق الأوسط. كما أن حالة الخوف وعدم الاستقرار التي عاشتها المدن الإسرائيلية خلال الحرب تركت أثرًا نفسيًا وسياسيًا عميقًا داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
وفي الداخل الأمريكي، بدأت أصوات كثيرة تتحدث عن فشل المشروع السياسي والعسكري الذي قادته إدارة ترامب بالتنسيق مع نتنياهو. فالرئيس الأمريكي الذي كان يطمح لتقديم نفسه كصانع سلام عالمي وجد نفسه في قلب حرب طويلة استنزفت صورة الولايات المتحدة وأضعفت مكانتها الدولية. كما أن الوعود المتعلقة بإعادة رسم الشرق الأوسط أو إسقاط النظام الإيراني لم تتحقق، بل تحولت إلى عبء سياسي داخلي وخارجي.
اما اليوم، وبعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، يبدو المشهد مختلفًا تمامًا عما كان عليه قبل الحرب. فالولايات المتحدة باتت أكثر حذرًا في التعامل مع المنطقة، بينما تسعى دول الخليج إلى تجنب أي مواجهة جديدة قد تدمر اقتصاداتها وأمنها الداخلي. وفي المقابل، تحاول إيران تثبيت نفسها كقوة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة سياسية أو عسكرية في الشرق الأوسط.
أما الملف النووي الإيراني، فمن المرجح أن يعود مرة أخرى إلى طاولة المفاوضات، وربما بصيغة شبيهة بالاتفاق النووي الذي تم توقيعه خلال عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، ولكن مع تعديلات جديدة تتناسب مع التوازنات الحالية. فالحرب أثبتت أن الحل العسكري وحده غير قادر على إنهاء الصراع، وأن التفاهمات السياسية أصبحت ضرورة لا خيارًا.
وفي النهاية، يمكن القول إن هذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين دول، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لمستقبل النفوذ العالمي في الشرق الأوسط. وقد أظهرت نتائجها أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها حسم الصراعات المعقدة أو فرض الهيمنة الدائمة.
لقد دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب بهدف إخضاع إيران وكسر نفوذها، لكن النتيجة النهائية بدت مختلفة تمامًا. فبدلًا من نهاية المشروع الإيراني، ظهر شرق أوسط جديد أكثر توترًا وتعقيدًا، وأقل خضوعًا للهيمنة التقليدية. وربما تكون هذه الحرب بداية مرحلة جديدة في المنطقة، عنوانها توازن القوى بدل السيطرة المطلقة، والتفاوض بدل الحروب المفتوحة.
المصدر:
كل العرب