حين يتحوّل الصمت إلى شراكة في العنف
مقال رأي بقلم د. شربل شقير، نائب رئيس الكليّة الأكاديميّة أونو، في أعقاب الاعتداء على راهبة:
“حلقة أخرى في سلسلة طويلة، منهجية وممأسسة، من العنف والإهانة”.
إنّ الاعتداء العنيف على الراهبة هذا الأسبوع في شوارع القدس ليس “حدثًا عابرًا”، وبالتأكيد ليس “حادثة مؤسفة” كما تحاول جهات رسمية تصويره. هذه اللغة الملطّفة، التي تهدف إلى تخدير النقد العام، تتكسّر أمام الواقع المهين الذي يعيشه رجال الدين المسيحيون في البلدة القديمة وفي أنحاء البلاد عمومًا. هذا الاعتداء ليس سوى حلقة أخرى في سلسلة طويلة، منهجية وممأسسة، من العنف والإهانة؛ بدأت بالشتائم، وتواصلت بالبصق، ووصلت الآن إلى عنف جسدي فعلي. من ظنّ أنّ البصق مجرّد فعل رمزي بلا أهمية، تلقّى هذا الأسبوع الدليل على أنّ الإهانة تكون دائمًا خطوة واحدة قبل العنف.
من السهل جدًا، بل من المريح جدًا، صرف النظر عن هذه الظاهرة بذريعة مستهلكة مثل “حالات شاذة” أو “شباب هامشي” غير متعلّم. هذا ذرّ للرماد في العيون. الشباب الهامشي لا يخترع عادات من العدم؛ بل يتشرّبها من بيئة تبثّ له، سواء بالإشارة أو بالصمت، أنّ هذا الفعل مشروع. الحقيقة القبيحة هي أنّ الحديث يدور عن ممارسة لها جذور لاهوتية وثقافية عميقة في أجزاء معيّنة من المجتمع الحريدي والقومي الديني المتطرّف.
منذ سنوات وأنا أدرّس في الكليّة الأكاديميّة أونو، وهي مؤسسة كانت من أوائل المؤسسات التي عملت على دمج الحريديم في الأكاديميا. في لقائي اليومي مع مئات الطلاب الحريديم، اختبرت احترامًا متبادلًا عميقًا. كمحاضر، أحرص على احترام إيمانهم، حتى مستوى كتابة “בס״ד” على اللوح، وهم يحترمونني ويحترمون هويتي والمساحة المشتركة بيننا. هذه التجربة الشخصية مهمة، ليس من أجل رسم صورة رومانسية للتعايش، بل لإثبات العكس تحديدًا: الجمهور الحريدي لا يفتقر إلى القدرة على احترام الآخر. هو قادر على ذلك تمامًا. ومن هنا، فإنّ العنف والبصق في شوارع القدس ليسا قدرًا محتومًا أو “فجوة ثقافية” لا يمكن ردمها، بل نتيجة لاختيار تربوي واعٍ لدى تيارات معيّنة. عندما يريدون، يحترمون. وعندما لا يحترمون، فهذا اختيار أيديولوجي.
هذا أثر تاريخي من أيام كانت فيها المسيحية والمسيحيون يضطهدون اليهود؛ أيام كانت ومضت، وبالتأكيد لم تعد قائمة بصورة مؤسسية. لكن الممارسة بقيت. والطفل ابن الخامسة الذي يتعلّم أن يبصق “بجانب” الكهنة أو الراهبات أو الكنائس، لن يكبر غالبًا ليكون شابًا يحترم الكهنة في الشارع. سيكبر ليكون شابًا يرى في رجل الدين المسيحي هدفًا للإهانة، وكيانًا مرفوضًا من حيث وجوده. هذا الاشتراط البافلوفي، الذي يربط بين النشوة الدينية وإذلال الآخر، هو تشويه أخلاقي يحدث برعاية مؤسسات تعليمية تتمتع، في أحيان كثيرة، بتمويل عام.
هذه القصة تتجاوز كثيرًا حدود دولة إسرائيل. القدس هي القلب النابض لمليارات المؤمنين حول العالم. عندما تسمح دولة إسرائيل، التي تتباهى بأنها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” وبحفاظها على حرية الدين، بإهانة رجال دين مسيحيين والاعتداء عليهم، فإنها تُسقط شرعيتها الأخلاقية بنفسها. لا يمكن مطالبة العالم بحماية اليهود من الاضطهاد الديني، في الوقت الذي يحدث فيه اضطهاد ديني في شوارع القدس بلا عائق، تحت رعاية سيادة يهودية. هذا قبل أن نتحدث عن الضرر في مجال “الدبلوماسية الإعلامية”؛ فحلفاء دولة إسرائيل هم دول مسيحية.
الاعتداء على الراهبة هو نداء اليقظة الأخير قبل انهيار أخلاقي كامل. هذا هو الوقت لفرض قانون صارم، ولمعالجة جذرية لمنظومات التعليم التي تطبّع الكراهية، ولمطلب جماهيري واضح بوقف الإهانة. السؤال اليوم ليس فقط من بصق أو من اعتدى على الراهبة، بل من بيننا مستعد لمواصلة الصمت والسماح لهذا بأن يحدث.
بقلم: د. شربل شقير، نائب رئيس الكليّة الأكاديميّة أونو
المصدر:
كل العرب