آخر الأخبار

من بار إيلان إلى غزة ولبنان: كيف أصبحت الحرب عقيدة الليكود؟

شارك

من بار إيلان إلى غزة ولبنان: كيف أصبحت الحرب عقيدة الليكود؟
بقلم: رانية مرجية

في هذه المنطقة، لا تبدأ الحروب فجأة، ولا تنتهي فعلًا.
إنها تتراكم مثل طبقات الغبار فوق الذاكرة، ثم يكفي شرخ صغير في الجدار حتى ينهار كل شيء دفعة واحدة. ومنذ عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم عام 2009، بدا وكأن إسرائيل تدخل طورًا جديدًا من تاريخها السياسي: طور لم يعد يرى في السلام ضرورة، ولا حتى خدعة دبلوماسية مؤقتة، بل يرى في القوة المجردة اللغة الوحيدة الممكنة لإدارة الشرق الأوسط.

حين وقف نتنياهو في جامعة بار إيلان وألقى خطابه الشهير، حاول أن يبدو رجل دولة واقعيًا، مستعدًا ـ نظريًا ـ للقبول بدولة فلسطينية. يومها، تنفس الغرب الصعداء. باراك أوباما كان في بدايات عهده، والعالم أراد أن يصدق أن شيئًا ما يتغير داخل إسرائيل. لكن الفلسطيني الذي كان يرى التلال تُبتلع بالمستوطنات كل صباح، لم يكن بحاجة إلى كثير من الذكاء ليفهم أن الكلمات كانت تُقال للاستهلاك الدولي، بينما الحقيقة تُكتب بالجرافات والخرسانة العسكرية على الأرض.

لم يكن خطاب بار إيلان لحظة تحول تاريخية، بل لحظة إعادة تموضع سياسية.
فالليكود، الذي قام تاريخيًا على فكرة “أرض إسرائيل الكبرى”، لم يكن مستعدًا يومًا للاعتراف الحقيقي بفلسطين، بل فقط بإدارة الفلسطينيين داخل شروط أمنية تجعل وجودهم أقرب إلى حكم ذاتي محاصر منه إلى دولة. لقد كان نتنياهو أكثر ذكاءً من اليمين التقليدي؛ لم يرفض العالم بصوت مرتفع، بل تعلم كيف يبتسم له فيما يواصل تقويض كل ما يطالب به.

ومنذ ذلك الوقت، بدأت إسرائيل تتحول تدريجيًا من دولة تدّعي السعي إلى تسوية، إلى دولة تبني هويتها السياسية على إدارة الصراع الدائم. لم يعد الأمن مجرد ملف حكومي، بل صار العقيدة المركزية التي يُعاد تشكيل المجتمع الإسرائيلي حولها: الخوف من الفلسطيني، الخوف من إيران، الخوف من الحدود، الخوف حتى من المستقبل نفسه.

وحين يتحول الخوف إلى هوية قومية، تصبح الحرب ضرورة نفسية وسياسية معًا.

في عهد الليكود الجديد، لم تعد إسرائيل تحتاج إلى “السلام” كي تشعر بالشرعية، بل إلى عدو دائم يبرر استمرار التعبئة. ولهذا لم يكن التصعيد المستمر مجرد خيار عسكري، بل جزءًا من بنية الحكم نفسها. فالمجتمعات التي تعيش تحت القلق المستمر تصبح أكثر استعدادًا للتنازل عن الأسئلة الأخلاقية مقابل الشعور بالأمان، حتى لو كان هذا الأمان وهميًا ومؤقتًا.

هكذا تمدد اليمين الديني والقومي داخل إسرائيل بصورة غير مسبوقة.
تراجعت اللغة السياسية المدنية، وصعد خطاب يعتبر القوة قيمة أخلاقية بحد ذاتها. الفلسطيني لم يعد “خصمًا سياسيًا” بل تهديدًا ديموغرافيًا وأمنيًا وثقافيًا. وحتى فكرة التعايش نفسها بدأت تبدو داخل المزاج الإسرائيلي العام نوعًا من السذاجة أو الضعف.

ثم جاءت إيران لتصبح العنوان الأكبر في مشروع نتنياهو السياسي.
لم تكن طهران مجرد خصم إقليمي، بل صورة مثالية لعدو قادر على توحيد الداخل الإسرائيلي، وإعادة إنتاج منطق “الخطر الوجودي”. لهذا خاض نتنياهو معركة مفتوحة ضد الاتفاق النووي الإيراني، ليس فقط لأسباب أمنية، بل لأن بقاء المنطقة في حالة توتر دائم يخدم طبيعة المشروع الذي يقوده.

لكن المفارقة المرعبة أن إسرائيل، التي تقول إنها تبحث عن الأمن، تبدو اليوم أقل شعورًا بالأمن من أي وقت مضى.
فالردع العسكري الهائل لم يمنع السابع من أكتوبر، والتفوق التكنولوجي لم يمنع الخوف الجماعي، والحروب المتكررة لم تنتج استقرارًا، بل مزيدًا من الانفجار.

لقد تحولت غزة، خلال السنوات الأخيرة، إلى المرآة الأكثر قسوة لهذا التحول الإسرائيلي.
مكان محاصر، مكتظ بالبؤس واليأس، يُدار بمنطق أمني بحت، وكأن مليوني إنسان مجرد “ملف خطر” لا حياة بشرية كاملة. ثم جاء الانفجار الكبير بعد السابع من أكتوبر، لتدخل المنطقة كلها مرحلة غير مسبوقة من العنف المفتوح.

غزة تُسحق بصورة تكاد تتجاوز قدرة اللغة على الوصف.
أحياء كاملة تختفي، وأطفال يُنتشلون من تحت الركام، وأمهات يبحثن عن ملامح أبنائهن بين الغبار والدم. وفي المقابل، يعيش الإسرائيلي العادي خوفًا حقيقيًا من الصواريخ والحرب الطويلة والعزلة المتزايدة. الجميع هنا خائف، والجميع يدفع الثمن، لكن آلة الحرب تواصل العمل كأنها قدر لا يمكن إيقافه.

أما لبنان، فقد عاد مجددًا إلى واجهة النار.
الحدود الجنوبية لم تعد مجرد منطقة توتر، بل جبهة مفتوحة على احتمالات كارثية. إسرائيل ترى في حزب الله التهديد العسكري الأكثر خطورة على جبهتها الشمالية، وحزب الله يرى نفسه جزءًا من معركة إقليمية أوسع. وبين الطرفين يقف اللبناني العادي، الذي يعرف أن أي حرب جديدة قد تعني انهيار ما تبقى من وطن متعب أصلًا بالانهيارات والأزمات.

ولا يمكن فهم هذا المشهد بعيدًا عن التحولات الكبرى في النظام الدولي نفسه.
فالعالم الذي كان يتحدث يومًا عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، يبدو اليوم أكثر انتقائية وبرودة. الغرب الذي قدّم نفسه طويلًا باعتباره حارس “القيم الديمقراطية”، وقف في كثير من اللحظات عاجزًا أو متواطئًا أو خائفًا من مساءلة إسرائيل، حتى وهي تدفع المنطقة نحو مزيد من الانفجار. وهكذا، لم يعد الفلسطيني يشعر فقط بأنه يواجه قوة عسكرية هائلة، بل أيضًا نظامًا دوليًا فقد كثيرًا من صدقيته الأخلاقية.

المشكلة أن المنطقة كلها باتت تعيش داخل منطق الحرب المستدامة.
لم تعد القوة وسيلة للوصول إلى السياسة، بل أصبحت هي السياسة نفسها. وكلما تعمقت الأزمات الداخلية في إسرائيل، بدا اللجوء إلى الخطاب الأمني أكثر حضورًا. فالحروب، في كثير من الأحيان، لا تُستخدم فقط لهزيمة الخصوم، بل أيضًا لإعادة ترتيب الداخل، وتأجيل الأسئلة الثقيلة المتعلقة بالفساد والانقسام وفشل المشروع السياسي نفسه.

وربما هنا تكمن المأساة الأعمق.
فالشرق الأوسط لم يعد يُدار باعتباره فضاءً لشعوب تريد الحياة، بل كساحة أمنية ضخمة تُقاس فيها قيمة البشر بموقعهم داخل خرائط التهديد. الفلسطيني يُختزل في رقم أمني، واللبناني في احتمال صاروخ، والإيراني في ملف نووي، وحتى الإسرائيلي نفسه يُختزل في خوف دائم يحتاج إلى من يحرسه ويغذيه في الوقت ذاته.

لقد انتقل الليكود، منذ خطاب بار إيلان حتى حرب غزة وتهديدات لبنان وإيران، من محاولة تسويق “سلام مشروط” إلى تكريس عقيدة سياسية ترى في الحرب حالة طبيعية، وربما ضرورية. وهذه ليست أزمة الفلسطينيين وحدهم، بل أزمة المنطقة كلها، بل وربما أزمة إسرائيل نفسها أيضًا.

لأن الدول التي تعيش طويلًا على القوة وحدها، تنجح أحيانًا في إخضاع الآخرين، لكنها تفشل غالبًا في هزيمة خوفها الداخلي.

وفي النهاية، تبدو المأساة الكبرى أن الشرق الأوسط لم يعد يسأل كيف يصنع السلام، بل كيف ينجو من حرب لا يبدو أن أحدًا يريد لها أن تنتهي.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا