أعاد الاعتداء العنيف على راهبة في البلدة القديمة في القدس إلى الواجهة واقعًا مقلقًا تعيشه الطوائف المسيحية في المدينة، وسط شهادات عن بصق يومي، إهانات متكررة، تخريب رموز دينية، واعتداءات على رجال ونساء دين وممتلكات كنسية.
وأعلنت الشرطة اعتقال رجل يبلغ 36 عامًا، بشبهة الاعتداء على راهبة بعد أن تعرّف عليها كراهبة مسيحية. وبحسب المعطيات الأولية، لاحق المشتبه به الراهبة، ثم دفعها بقوة أرضًا وركلها، في حادثة وثقها مقطع فيديو متداول. وأصيبت الراهبة في رأسها ونزفت، ثم نُقلت لتلقي العلاج، فيما وُصفت حالتها بأنها مستقرة. وأكدت الشرطة أنها فتحت تحقيقًا في ملابسات الاعتداء، وأنها ستتعامل بحزم مع أعمال العنف، خاصة تلك التي تحمل طابعًا دينيًا.
شهادات من البلدة القديمة
لكن الحادثة لا تبدو، وفق شهادات من داخل البلدة القديمة، منفصلة عن سياق أوسع. ففي الحي الأرمني في القدس، يتحدث سكان وأبناء الطوائف المسيحية عن واقع يومي من الإهانات. غارو سندروني، صاحب محل سيراميك أرمني في الحي، يقول إنه يرى من مكان عمله مظاهر كراهية متكررة تجاه رجال دين مسيحيين ورموز دينية، بينها البصق باتجاه رجال دين، ورموز مسيحية، والدير الأرمني القريب.
وبحسب أبناء الحي، أصبح الأمر مألوفًا إلى درجة أن بعض السكان يطلقون على أحد الشوارع اسم "شارع البصق"، بسبب تكرار هذه الظاهرة فيه. وفي حادثة وقعت قبل عيد الفصح، علّق شبان من الحي الأرمني زينة العيد وأعلامًا ورقية تحمل رمز الصليب، قبل أن يمر شاب متدين ويمزق أحد الأعلام أمامهم.
هاغوب غرنزايان، من أبناء الطائفة الأرمنية، وصف الحادثة بأنها "إهانة مباشرة"، وقال إن ما جرى لم يكن مجرد تخريب لزينة عيد، بل اعتداء على رمز ديني في لحظة روحية مهمة للطائفة. وأضاف أن هذه الحوادث كانت موجودة سابقًا، لكنها تفاقمت في ظل الحكومة الحالية، من دون أن يلمس السكان محاولة جدية لوقفها أو حتى إدانتها بشكل واضح.
61 حالة إعتداء
وتشير معطيات مركز روسينغ للتعليم والحوار، الذي يرصد الاعتداءات على المسيحيين في إسرائيل والقدس الشرقية، إلى اتساع الظاهرة خلال عام 2025. ووفق التقرير السنوي للمركز، سُجلت 61 حالة اعتداء على رجال دين أو أشخاص يحملون رموزًا مسيحية ظاهرة، وشملت الاعتداءات البصق، رش غاز الفلفل، والضرب.
كما وثق المركز 52 حالة اعتداء على ممتلكات كنسية، بينها كتابة شعارات، اقتحامات لأغراض التخريب، وتحطيم تماثيل. وسُجلت أيضًا 14 حالة تخريب للافتات كنسية، و28 حالة مضايقة لتجمعات ومواكب دينية، شملت اعتداءات كلامية وعرقلة جسدية للطقوس.
هذه المعطيات تمنح الاعتداء الأخير على الراهبة معنى أوسع. فالمسألة، كما يقول ناشطون وممثلون عن الطوائف المسيحية، لم تعد حادثة فردية يمكن عزلها عن المناخ العام، بل جزء من نمط متصاعد يستهدف الحضور المسيحي ورموزه في القدس ومحيطها.
وجاءت حادثة الراهبة بعد أيام من نشر مقطع يوثق جنديًا إسرائيليًا وهو يحطم تمثالًا للمسيح في قرية دبل جنوبي لبنان، ما أثار ردود فعل واسعة. ورغم إدانة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير للحادثة، يرى ممثلو الطوائف المسيحية أن الاكتفاء بالإدانات لا يعالج المشكلة، طالما أن الاعتداءات اليومية في القدس لا تجد ردعًا فعليًا.
المناخ العام
وتقول حنا بندكوفسكي، من مركز روسينغ، إن المناخ العام في إسرائيل يشهد تصاعدًا في النزعة القومية المتشددة ورفضًا متزايدًا لكل من يُنظر إليه كـ"آخر". وترى أن غياب المعالجة الجدية من جانب الشرطة يشجع المعتدين، لأن الشكاوى لا تقود في كثير من الأحيان إلى تحقيقات فعلية أو عقوبات رادعة.
ولا تقتصر المخاوف على الاعتداءات الجسدية فقط. فبحسب شهادات من الحي الأرمني والحي المسيحي، بات بعض المسيحيين يترددون في ارتداء رموز دينية ظاهرة، مثل الصليب، خشية التعرض للإهانة أو البصق أو الاعتداء الكلامي. ويقول مرشد السياحة فانيونت فانيوتو، وهو مسيحي من أصل يوناني يعيش في القدس القديمة، إن المسيحيين يشعرون بأن مساحة وجودهم الديني والتاريخي في المدينة تضيق عامًا بعد عام.
كما أثارت قيود الشرطة على الطقوس المسيحية في كنيسة القيامة خلال الأعياد الأخيرة غضبًا واسعًا لدى الكنائس. ففي أحد الشعانين، مُنع بطريرك اللاتين في القدس، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، من دخول الكنيسة لإقامة الطقس الديني، رغم قول الكنيسة إن الأمر كان منسقًا مسبقًا. وفي سبت النور، تحدث أبناء الطائفة الأرثوذكسية عن تشديد كبير على الوصول إلى الكنيسة، وتقليص أعداد المشاركين في الطقوس.
وتقول مصادر كنسية وحقوقية إن الاعتداء على الراهبة في البلدة القديمة يجب أن يشكل اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية السلطات في حماية رجال ونساء الدين، وضمان حرية العبادة، ووقف الاعتداءات على الرموز المسيحية. فالمشكلة، بحسبهم، لا تتعلق فقط بأمن شخصي، بل بمكانة المسيحيين في القدس، وبقدرتهم على ممارسة إيمانهم وحضورهم التاريخي من دون خوف أو إهانة.
المصدر:
بكرا