آخر الأخبار

“سيرة ذاتية” | قصة قصيرة بقلم الكاتب المغربي مُحمّد سَعيد الرّيْحَاني

شارك

نفخ على مكتبه الخشبي الرمادي وأيقن، من حجم الغبار الخفيف المتصاعد منه، بأنه هجر المكان لحوالي أسبوع. سحب كرسيه الدوار من تحت المكتب واستسلم للسقوط فوقه والغرق فيه. انتابه إحساس بأنه في عيادة طبية فأسند قفاه على الحاشية العليا للكرسي ودفع بقدميه الأرضية بتثاقل، مستسلما للراحة التي يولدها دوران الكرسي من اليمين إلى اليسار ثم من اليسار إلى اليمين ثم من اليمين إلى اليسار. وحين توقف عن الدوران، كان الغبار على المكتب أمامه قد ركد والتوتر داخله قد هدأ. فجرّ إليه بضع أوراق كانت في الزاوية اليمنى البعيدة من الطاولة. مدّ يده إلى حزمة من أقلام لم يستعملها منذ وقت ليس بالقصير. دحرجها بعيدا عن إقليمه ثم أعادها إليه ثم بعيدا عنه ثم قريبا منه، باحثا عن قلم أسود وسط الحزمة. استلّ القلم وعينه حريصة على عدم تشتيت باقي الأقلام. نفض جدع القلم الأسود على ظفره كما لو كان يسعف مداده على السيولة أو كان يعدّه للتعبير الحرّ.

رفع عينيه إلى السقف، باحثا عن سبب للكتابة أو موضوع يستحق الجهد الذي تحتاجه الكتابة عادة. جال ببصره بكل الأشكال التي تدرسها الهندسة. رسم بعينيه المثلثات والمربعات والمستطيلات والمعينات والدوائر وأنصاف الدوائر حتى أكملها جميعا لكنه لم يجد سببا مقنعا لإقدامه على كتابة نص واحد وحيد أو اختيار موضوع بعينه يفرغ في قالبه ما كان يجول في خاطره.

أيكتب شعرا أم نثرا؟

أيكتب قصة قصيرة جدا أم قصة قصيرة أم رواية أم سيرة ذاتية؟

شعر بقوة تنتابه من أخمص قدميه حتى هامة رأسه وود إفراغها في قالب تعبيري يليق بقوة الإحساس وقوة التعبير. لكن الكتابة عماذا؟ فكي يكون المكتوب قويا، يجب أن يكون حقيقيا. وكي يكون المكتوب حقيقيا، يجب أن يكون واقعيا. وكي يكون واقعيا، يجب أن يكون الكاتب شاهدا عليها أو موضوعا من موضوعاتها. فهل القالب التعبيري الأرجح هو السيرة الذاتية؟

لكن هل السيرة الذاتية حقيقية؟

هل السيرة الذاتية واقعية؟

هل يمكن للكاتب مهما بلغت احترافيته إعادة الزمن وإعادة تمثيل الأحداث وإعادة الإصغاء للناس واحترامهم دون تحويلهم إلى شخوص روائية أو قصصية؟

رمش بعينيه، حائرا، وأعاد توجيه عينيه إلى السقف باحثا عن أجوبة لأسئلته. طال الانتظار وتأخرت الأجوبة في الأشكال الهندسية المرسومة بعينيه في السقف، وفرغ الذهن من كل تشويش، واهتدى تفكيره إلى أنه ما دام ليس في الإمكان إعادة إنتاج الحياة، فلا زال ثمة إمكانية لمحاكاة شكل نبض الحياة. ولذلك، سيتحدى ثقافة الاستحالة ويكتب سيرته الذاتية. ستكون سيرة ذاتية تذوب في بوتقتها باقي الأنواع الأدبية. ستكون سيرة ذاتية في حجم قصة قصيرة تستوحي أحداث رواية وتنبض بإيقاع القصيدة وتومض بتكثيف القصة القصيرة جدا.

بدأ يداعب القلم بين أنامله، استعدادا للكتابة. طالت المداعبة وتأخرت الكلمات في الانسياب على الورق. كان يعرف ما يريد قوله. لكن معرفته تلك كان يمتزج فيها الخوف بالشوق: الخوف من خيانة التعبير والشوق إلى المصالحة مع ذاته. لذلك، تملكه قلق لطيف وازاه توتر أشبه ما يكون بتوتر عاشق المغامرة لحظة وقوفه عند حافة الهاوية قبل القفز نحو العمق السحيق في أسفل السافلين. وآنئذ فقط، شعر بأناه الثانية داخله تطرق الباب بإلحاح، طالبة مرافقته في القفز في الفراغ نحو الأعماق السحيقة. وما أن انسابت أول كلمة وحطت على الورقة حتى تبدد الشك وهدأ الخوف وانفتح الطريق وبدأ النص في الانكتاب:

“تقدمت الجارة الأولى لخطبته لابنتها الكبرى.

رفض تحت مبرر صغر سنه وعدم قدرته على تحمل مسؤولية الزواج.

تقدمت الجارة الثانية لخطبته لابنتها الصغرى.

رفض تحت مبرر حداثة عهده بالمشوار المهني وحاجته لتوفير المال الكافي لأبسط واجبات الزفاف والزواج.

تقدمت الجارة الثالثة لخطبته لابنتها الوسطى.

رفض تحت مبرر حاجته لمعرفة ذاته والمصالحة معها قبل دخوله تجربة الزواج.

تقدمت الجارة الرابعة لخطبته لابنتها بالتبني.

رفض تحت مبرر أن المدينة الصغيرة التي يقيم فيها لا تستجيب لطموحاته وأنه يفكر في الرحيل نحو مدن أخرى أكبر وأرحب وأوسع وأنه لا يريد أن يعلق قلب فتاة على مقصلة انتظاراته.

ولنفسها، تقدمت الجارة الخامسة لخطبته، واثقة من كوْن رَفض الجار للشابات يُضمِر توقه للناضجات.

رفض أيضا تحت مبرر الرغبة في الهجرة إلى أي مكان وعدم العودة مهما طال الزمان ومهما تغيرت الأمور وأنه لا يريد أنثى تعيده لمدينة مسقط رأسه تحت أي مبرر، بما في ذلك مبرر الزواج.

تكررت عروض الخطبة والزواج.

تكرر الصد.

طالت مطاردات الجارات الخبيرات باقتناص الصالح من الذكور لبناتهن أو لأنفسهن.

طال الرفض.

اجتمعت الجارات الخبيرات به في لقاء ظاهره العفوية والتلقائية وباطنه التحضير والتنسيق وتوزيع الأدوار، وسألنه بصراحة عن سبب الصد الدائم.

أجاب بأن الجوار والقرابة ليسا من شروط الزواج عنده، وأنه ينتظر الأنثى التي ستحبه ويحبها.

عارضنه:

“ولكن الحب يأتي بعد الزواج وليس قبله!”

أصر:

“لن أتزوج غير الأنثى التي ستحبني وأحبها ولو تطلب الأمر الانتظار إلى نهاية العمر!”

بعيدا عن الحب أو قريبا منه، عرضت عليه خلايا الحي الحزبية الانضمام للحزب لسمعته وإشعاعه.

رفض.

عادت الخلية لتعرض عليه التصويت للحزب بمناسبة اقتراب الحملة الانتخابية.

رفض.

اعترضوا سبيله، ذات مرة، وسألوه:

“هل تعلم، يا إبراهيم، بإنك لم تعد لا الطفل ولا الشاب الذي كبر بيننا؟”

“هل تعلم، يا إبراهيم، بأنك تخرج عن إجماع الحي وتوافقاته، غير آبه بتبعات الأمر؟”

“هل تعلم، يا إبراهيم، بإنك تهدم قيم الحيّ ومُثله بعدميتك!”

على الجهة الأخرى، اجتمعت الجارات الخبيرات بأفراد عائلاتها الصغيرة والممتدة ممن تتكون منهم خلايا الحيّ الحزبية، أبناء وأحفادا وأصهارا، وكان القرار الذي خجل المُقرّرون أنفسهم من إعلانه للعموم فأبقوه سرا مكتوما بنكهة الخنجر المسموم.

بعد القرار، امتنع الجيران عن رد التحية والسلام على إبراهيم.

بعد القرار، داوم الجيران على تفرس إبراهيم باستغراب.

بعد القرار، تناوب الجيران على تفتيش في أكياس قمامة إبراهيم ليلة بعد ليلة.

بعد القرار، حاصر الحيّ إبراهيم.

بعد القرار، حاصرت المدينة إبراهيم.

بعد القرار، تم تنفيذ حكم النّبذ في حقّ إبراهيم.

طوّقت العيون إبراهيم حيثما حلّ وارتحل.

طوّقت الآذان إبراهيم حيثما فتح فاه.

ضاقت الدّنيا بإبراهيم.

قرر بيع داره والهجرة إلى أي مكان.

تعاون الجميع على عرقلة البيع، سماسرة وجيرانا وخلايا الحيّ الحزبية، لإبقائه تحت عين المراقبة وضمان إفشال أهدافه وإفساد مشاريعه وعرقلة مصالحه ما دامت له أهداف وما دامت له مشاريع وما دامت له مصالح.

طلب الانتقال المهني إلى مدن أخرى فأتلفت المندوبية الجهوية للقطاع الذي يعمل فيه الأقراص المرنة التي تضم كل طلبات المهنيين الذين جمعتهم بإبراهيم رغبة الانتقال في السنوات التي أُدرٍج فيها اسمه وطلبه، عملا بمبدأ “عليَّ وعلَى أعدائي “.

سلّطت أجهزة التخويف والترويع على جلساء إبراهيم وزملائه خوف الدنيا والآخرة فهجروه.

بعد ملاحقة العيون والآذان، بدأت ملاحقة الأقدام.

بعد ملاحقة الأقدام، بدأت مطاردة الإشاعات.

في عزّ العزلة، قرّر إبراهيم دخول تجربة الكتابة والبوح لكل الناس عبر التاريخ ما دام الناس في التاريخ يحاصرونه ويقاطعونه ويسعون لقتله رمزيا وفعليا.

في عزّ العزلة، كتب مجموعة قصصية وعنونها “موت المؤلف “. طبعها ووزعها ورقيا وإلكترونيا.

وحدها قارئة “موت المؤلف ” من قفزت فوق كل الموانع وكل الآلهة لتعانق النص ومؤلفه.

من وقفت في وجه “النماردة “، ملوحة بالمعول في يدها.

وحدها قارئة “موت المؤلف ” من قدمت نفسها لأدعياء الألوهية كإبراهيمة.

وحدها قارئة “موت المؤلف ” من تجرأت وصرخت ملء حنجرتها:

“لا للكبائر”!

“لا لادعاء الألوهية”!

“لا للاغتيال”!

وحدها قارئة “موت المؤلف ” من وقفت في وجه قرارات الآلهة الزّائفة.

وحدها قارئة “موت المؤلف ” من سخرت ممن يعتقدون بأنهم يُحيون ويُميتون.

وحدها قارئة “موت المؤلف ” من سَخرت من الآلهة وأحبّت الرجل الطّريد.

وحدها قارئة “موت المؤلف “، ولا أحد سواها.

وحدها، إبراهيمة.

وحدها”.

توقف عن التحرير. وضع القلم على الطاولة. بسط كلتا يديه فوق أوراق المسودة على الطاولة. دفع برأسه إلى الوراء واستراح. شعر بخفة اشتاقت لها روحه منذ زمن طويل وبوضوح رؤية جفاه منذ زمن بعيد.

كأنما نجا من إعصار.

كأنما تصالح مع ذاته.

كأنما اقترب من نفسه أكثر مما يسمح له عادة.

كأنما صار أشجع وأقدر على مواجهة الخوف من حقيقته والسخرية من قدره.

أشعره الفراغ من النص بنوع من التطهير أو الشفاء لكنه شعر للتو بأن هذا الفراغ ليس آمنًا تمامًا. لقد شعر للتو بأنه صار مكشوفا. فالنص الذي كتبه لم يعد ملكه وحده. لقد صار وجهًا من وجوهه يمشي خارج قلبه. وبذلك، بدت له عملية كتابة ذلك النص أشبه ما يكون بعملية التعري أمام الملأ. تساءل:

“هل بالغت في الصدق؟”

“هل سيُفهم هذا النبض كما شعرت به؟”

“هل سيضيع كل الهمس بين السطور في الفراغ فلا يترك صدى؟”

في تلك الأثناء، اعتراه إحساس غامر عادة ما كان يزوره في حالات الشك في مواقف صادقة تبناها:

“لقد كنتَ صادقًا وهذا يكفي.”

ثم خفت كل شيء حواليه فلم يبق غير النص أمامه مرآة تعكس أعماقه. بعد الشك، زاره الضيف الثاني: التردد. فهل سينشر النص للعموم أم تراه يحتفظ به كسرٍّ يستدفئ به ويحتمي به من هجوم الهاجمين وسخرية الساخرين.

آنئذ، شعر بأنه أكبر من مجرد كاتبٍ انتهى من تحرير نص.

وآنئذ، شعر بأنه إنسانٌ خلف وراءه امتدادا مكتوبا.

وآنئذ، قرر نشر النص.

———-

محمد سعيد الريحاني أديب وباحث في دراسات الترجمة. صدرت له أزيد من عشرين عملا ما بين إبداع أدبي (رواية، قصة قصيرة، قصة قصيرة جدا) ونقد أدبي (“الحاءات الثلاث”: أنطولوجيا القصة المغربية الجديدة (في ثلاثة أجزاء). حاصل على شهادة الدكتوراه في دراسات الترجمة من مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة/المغرب (تابعة لجامعة عبد الملك السعدي ، تطوان/المغرب)/ سنة 2023، وعلى شهادة الماستر في الكتابة الإبداعية (شعبة الأدب الإنجليزي ) من كلية الفنون والعلوم الاجتماعية بجامعة لانكستر بالمملكة المتحدة سنة 2017، وعلى شهادة الماستر في الترجمة والتواصل والصحافة من مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة/المغرب (تابعة لجامعة عبد الملك السعدي ، تطوان/المغرب) سنة 2015، وعلى شهادة الإجازة في الأدب الإنجليزي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة عبد الملك السعدي ، تطوان/المغرب سنة 1991.

الصّنارة المصدر: الصّنارة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا