من وجهة نظر القاضية فيلنر، يمكن لسكان الناصرة أن يواصلوا الغرق في النفايات
بقلم: المهندس شريف زعبي.
قبل نحو شهرين، حضرت جلسة في المحكمة العليا على أمل أن يضع القضاة حدًا للوضع القاسي الذي تعيشه الناصرة منذ أشهر، وأن يأمروا بإزالة كميات النفايات الهائلة التي تراكمت في شوارع المدينة خلال فترة الإدارة البلدية السابقة. لكن الأمل خاب. هيئة القضاة، برئاسة القاضية ياعيل فيلنر، قررت أن بإمكان سكان الناصرة الاستمرار في العيش وسط جبال من النفايات لشهرين إضافيين على الأقل. لا شيء مستعجل.
الالتماس إلى المحكمة العليا قدّمته منظمات بيئية، وطالبت فيه بإلزام الدولة بإزالة أكوام النفايات، في ظل عجز بلدية الناصرة عن القيام بواجبها. وكما هو معلوم، فقد انهارت البلدية في عهد إدارتها السابقة على خلفية قضايا فساد، ما أدى في نهاية المطاف إلى إقالتها. وفي حزيران 2025، جرى تعيين لجنة معينة بدلًا منها، بعد تأخير ملحوظ.
منذ توليها مهامها، بدأت اللجنة بإزالة النفايات المنزلية بشكل منتظم، وتمكنت من تنظيف بعض شوارع المدينة. لكن أجزاء واسعة من الناصرة ما زالت تغرق في نفايات تشكل خطرًا على الحياة، في ظل نقص حاد في التمويل اللازم لمعالجة الوضع بالكامل.
السؤال الذي عُرض على المحكمة كان بسيطًا: إذا كانت اللجنة لا تملك الميزانية اللازمة لتنفيذ واجبها في تنظيف المدينة، فلماذا لا تتدخل الدولة وتوفر التمويل؟ فهذه اللجنة شُكّلت أصلًا لإنقاذ المدينة. ولا يدور الحديث هنا عن ميزانية لتسيير الأعمال الجارية، بل عن إزالة آلاف الأطنان من النفايات التي عجزت الإدارة السابقة عن التعامل معها. لذلك، طُلب من المحكمة إلزام الدولة بتحمّل المسؤولية إلى حين استعادة البلدية قدرتها على العمل.
لكن المحكمة خيّبت الآمال. تجاهلت حجم الكارثة وخطورتها. ورغم المعطيات الواضحة التي عُرضت أمام القاضية فيلنر، والتي تشير إلى أن تراكم النفايات يشكل خطرًا حقيقيًا على الحياة، ورغم أن اللجنة نفسها أوضحت حاجتها إلى نحو 25 مليون شيكل لمعالجة ما يقارب 7,000 طن من النفايات، رأت المحكمة أن الأمر ليس عاجلًا. وكأن سكان الناصرة، الذين انتظروا أكثر من عام مع النفايات في شوارعهم، يمكنهم الانتظار أكثر. واكتفت بإلزام اللجنة بإعداد خطة خلال 60 يومًا.
قد يبدو هذا الإطار الزمني معقولًا على الورق، لكن الواقع الصحي كان بالغ السوء. خلال هذين الشهرين، ظل سكان المدينة، خصوصًا الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل، عرضة لمخاطر صحية حقيقية ناجمة عن النفايات المتراكمة. وإلى جانب ذلك، فإن سكان الناصرة، كما المجتمع العربي عمومًا، لديهم تجربة طويلة مع "إعداد الخطط" التي لا تُنفّذ. فما الحاجة إلى خطة جديدة، بينما الحل واضح: توفير ميزانية كافية؟
ها قد انقضت نحو 60
يومًا. ماذا تغيّر؟ ليس الكثير. حتى الآن، لا يُعرف إن كانت الخطة قد أُعدت أصلًا، وربما تأخر ذلك بسبب الحرب. الميزانيات البيئية التي حصلت عليها اللجنة مؤخرًا لا تتجاوز 6 ملايين شيكل، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بالحاجة الفعلية. هذا لا يكفي لمعالجة أزمة تهدد صحة وحياة نحو 80 ألفًا من سكان الناصرة، إضافة إلى عشرات الآلاف في البلدات المجاورة. وتزداد الخطورة مع انتشار ظاهرة حرق النفايات، التي أصبحت شائعة.
مشكلة جمع النفايات
ليست حكرًا على الناصرة. تكاد لا توجد سلطة محلية عربية لا تعاني من هذه الأزمة. والسبب الأساسي هو نقص الموارد. السلطات المحلية العربية تفتقر إلى مصادر دخل ذاتية، وتعتمد على ميزانيات حكومية لا تُحوّل كما ينبغي، بل تُقلّص أحيانًا. في ظل هذا الواقع، تعجز
خلال هذه الفترة، لم يقف السكان ونشطاء المعارضة مكتوفي الأيدي. نظمت أيام تطوعية لتنظيف المدينة، وأُقيمت مظاهرات، وأُطلقت عرائض، وقدمت استجوابات في الكنيست، وأُرسلت آلاف الرسائل إلى وزارتي الداخلية والبيئة. وبمساندة منظمات بيئية، لا تزال الإجراءات القانونية مستمرة لإيصال الصوت.
قبل أشهر، قرأت بيانًا لوزارة حماية البيئة بعنوان: "انتهت أزمة النفايات". لكن أين انتهت؟ يتضح أنها انتهت في مدن المركز، حيث هدد متعهدو جمع النفايات بالإضراب. حينها تدخلت الوزيرة عيديت سيلمان بشكل مباشر، وعُقدت اجتماعات، وحُلّت المشكلة سريعًا. يبقى الأمل أن تُلزم المحكمة العليا، التي يُفترض أن تنظر قريبًا في خطة إزالة النفايات، الدولة بتطبيق معايير متساوية أيضًا على سكان الناصرة.
المصدر:
كل العرب