اثر تفاقم الجريمة والعنف وتسجيل 83 جريمة قتل منذ مطلع العام، قال المحامي علي حيدر لموقع "بكرا" إن المتأمل في واقع المجتمع العربي الفلسطيني في البلاد يلحظ بسرعة اتساع رقعة الظواهر والمعيقات التي تعرقل تطوره وتقدمه، مشيرًا إلى تفشي العنف والجريمة والفساد، وتراجع الشعور بالأمان الشخصي والجماعي، وانهيار القيم، وتفشي اللامبالاة، إلى جانب مظاهر سلبية أخرى لا تقل خطورة.
وأضاف حيدر أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الحكومة والمؤسسات الرسمية التي أخفقت، على مدار سنوات، في القيام بواجبها تجاه هذا المجتمع، نتيجة سياساتها التمييزية والعنصرية المتواصلة، والتي ازدادت وضوحًا في السنوات الأخيرة مع تفشي خطاب الكراهية والعنصرية على مستويات متعددة.
الحيز العام والبلدي
وأوضح أن حديثه يسلط الضوء على موضوع الحيّز العام البلدي والمحلي، باعتباره مكوّنًا أساسيًا في جودة حياة الإنسان والمجتمع، وفي مستوى الوعي والمسؤولية الجماعية والأخلاقية.
وبيّن أن الحيّز الخاص يرتبط بالملكية الفردية، حيث يتمتع الإنسان بحرية شبه تامة في التصرف به، سواء كان بيتًا أو متجرًا أو غير ذلك، في حين أن الحيّز العام هو ملك للجماعة بأسرها، ويعكس درجة الانتماء والاحترام المتبادل بين أفرادها.
وقال حيدر إن الحيّز العام، في سياق السلطات المحلية، يُعد ملكًا لجميع المواطنين والسكان في البلدة، من دون تمييز أو استثناء.
وأشار إلى أن كثيرًا من البلدات تشهد مظاهر تسيء إلى هذا الفضاء المشترك، بل إن الاعتداء عليه يتم بشكل متواصل، من خلال الأوساخ والقاذورات التي تملأ الشوارع، وعرض البضائع على الأرصفة بما يعيق حركة المارة، وإطلاق النار واستعمال السلاح، والأصوات المرتفعة والموسيقى الصاخبة، وهدير السيارات، وإشعال الحرائق، وورشات العمل التي تزاول نشاطها تحت البيوت وفي الأحياء حتى ساعات الليل المتأخرة، وصراخ الشبان في الشوارع والمقاهي، إلى جانب تراجع الإحساس بالأمان العام.
وأكد أن هذه المظاهر مجتمعة تضعف جودة الحياة، وتكرس ثقافة اللامسؤولية والاستهتار بالمصلحة العامة.
وأضاف أن احترام الحيّز العام يبدأ بتعزيز الانتماء والهوية الجماعية، ويمر عبر تحمّل المسؤولية الفردية والمجتمعية في رعايته وصيانته.
مفهوم الحيز العام
ولفت إلى أن العديد من الفلاسفة والمفكرين العرب والأجانب تعمقوا في مفهوم الحيّز العام، من بينهم يورغن هابرماس، ونانسي فريزر، وحنّة أرندت، وجون ديوي، وعبد الله العروي، والطيب بوعزة، ومحمد عابد الجابري، وغيرهم.
وأضاف أن الحيّز العام لا يقتصر على الجوانب المادية، مستشهدًا بما أورده المفكر محمد عابد الجابري في كتابه "العقل السياسي العربي"، إذ قال إن الحيّز العام هو المجال الذي تتحقق فيه ممارسة العقل العمومي في مقابل العقل الخاص أو الفردي، وهو ما غاب في التجربة العربية بسبب هيمنة السلطة وشخصنة المجال العام.
كما استشهد بتعريف الفيلسوف يورغن هابرماس، الذي رأى أن الحيّز العام هو فضاء من التواصل العقلاني، يتفاعل فيه المواطنون الأحرار والمتساوون لتداول القضايا العامة بشكل نقدي، بعيدًا عن إكراهات السلطة السياسية أو المصالح الاقتصادية، بهدف تكوين رأي عام يؤثر في القرار السياسي.
وقال حيدر إنه لضمان حيّز عام محلي آمن وراقٍ وجميل، لا بد من توافر عدد من الشروط، أولها الإقرار بأن الحيّز العام ملك لجميع السكان دون تفرقة، والاعتراف بوجود وحقوق جميع السكان والجماعات في البلدة.
وأضاف أن الشرط الثاني يتمثل في ترسيخ مبدأ المساواة بين أبناء البلدة الواحدة، فيما يتمثل الشرط الثالث في اعتماد الشراكة المجتمعية في تصميم هذا الحيّز وصيانته وحمايته، أما الشرط الرابع فهو توزيع الموارد المادية والمعنوية بعدالة وإنصاف بين جميع السكان.
وأكد أن الحيّز العام، بهذا المعنى، لا يكون مجرد فضاء مادي نتحرك فيه، بل مرآة لثقافتنا، وصورة صادقة عن مدى نضجنا وانتمائنا، وقدرتنا على تحويل العيش المشترك إلى قيمة يومية تُمارس لا إلى شعار يُرفع، وذلك من خلال تفعيل العقل والحوار المجتمعي وتحديد المصالح العامة وتعزيزها.
ساحة تعكس المجتمع
وأضاف أن الحيّز العام ليس مجرد شارع أو ساحة أو مرفق بلدي، بل هو مساحة تعكس صورة المجتمع عن نفسه، ومدى قدرته على احترام ذاته قبل احترام الآخرين، وهو تعبير عن إرادة جماعية.
وأشار إلى أن العناية بهذا الفضاء المشترك لا تعني فقط الحفاظ على النظافة أو النظام، بل تعني أيضًا حماية الكرامة الجمعية وصون فكرة العيش المشترك التي تقوم عليها إنسانيتنا.
وختم حيدر بالقول إن البلدان لا تُقاس بجمال عمرانها فحسب، بل بمدى وعي سكانها، وبما يبذله كل فرد كي تبقى شوارعها وميادينها نظيفة من الأوساخ ومن اللامبالاة أيضًا، بما يحقق الحرية والعدل ويرسي أسس الاستقرار والطمأنينة والإبداع.
ودعا إلى جعل احترام الحيّز العام ثقافة يومية وسلوكًا راسخًا، مؤكدًا أن احترام المكان هو في جوهره احترام للذات وللمستقبل المشترك، وللوجود في الأرض والوطن، وفتح لآفاق مستقبلية واثقة.
المصدر:
بكرا