خلال الأسابيع الخمسة الأخيرة من العمليات العسكرية ضد إيران، بدأت تظهر في الشارع الإسرائيلي ملامح احتجاجات صغيرة وخجولة، لكنها تحمل دلالات سياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها. ففي تل أبيب والقدس وحيفا خرجت مجموعات من الناشطين، معظمهم من التيار اليساري ومنظمات حقوقية وشبابية، في تجمعات أسبوعية غالبًا مساء السبت، رافعين شعارات تطالب بوقف الحرب وتحميل الحكومة مسؤولية استمرارها. ورغم أن هذه المظاهرات ما زالت محدودة العدد، فإن انتظامها وتزايد حدّة خطابها جعلاها محط اهتمام الإعلام الإسرائيلي خلال الأسبوع الأخير، كما ظهر في تغطيات صحف مثل هآرتس وتايمز أوف إسرائيل التي أشارت إلى أن الاحتجاجات باتت أكثر وضوحًا في معارضتها المباشرة للقيادة السياسية.
تعامل الشرطة مع هذه التجمعات اتسم أحيانًا بالقوة، وسُجلت اعتقالات متكررة وإن كانت محدودة، فيما أثار استخدام قوانين الطوارئ لتقييد التظاهر نقاشًا واسعًا بين قانونيين وسياسيين حول حدود الحريات المدنية في زمن الحرب. أما الخطاب الذي يرفعه المتظاهرون فهو خطاب سياسي مباشر، لا يستند إلى اعتبارات إنسانية أو حقوقية بقدر ما يركز على رفض الحرب نفسها والمطالبة بإنهاء العمليات العسكرية فورًا.
ورغم أن مدة الحرب لا تتجاوز خمسة أسابيع، فإن الإرهاق الشعبي ظهر مبكرًا بشكل لافت. وتُرجع تقارير اقتصادية وإعلامية نُشرت خلال الأسبوع الأخير هذا الإرهاق السريع إلى وتيرة الأحداث، واتساع نطاق العمليات، والضبابية السياسية التي تحيط بأهداف الحرب. فقد شهدت الأسواق تباطؤًا ملحوظًا، وارتفعت الأسعار، وتراجعت ثقة الجمهور بقدرة الحكومة على إدارة الحرب أو إنهائها. هذا النوع من التململ الشعبي يظهر عادة عندما يشعر الناس بأن الحرب تفتقر إلى رؤية واضحة أو إلى خطة خروج محددة، وهو ما يبدو حاضرًا بقوة في المزاج العام اليوم.
الاحتجاجات الحالية، رغم محدوديتها، تحمل طابعًا سياسيًا صريحًا يجعلها أكثر حساسية وأقل قدرة على جذب شرائح واسعة من المجتمع مقارنة بالاحتجاجات ذات الطابع الإنساني. لكنها في الوقت نفسه أكثر وضوحًا في معارضتها للحكومة، وأكثر جرأة في تحميل القيادة مسؤولية استمرار الحرب. وهذا ما يعمّق الانقسام الداخلي بين من يرى ضرورة مواصلة العمليات لتحقيق أهداف استراتيجية، وبين من يعتقد أن استمرارها يطيل الأزمة بلا جدوى ويضر بالدولة اقتصاديًا وسياسيًا.
ورغم أن هذه الاحتجاجات ليست كبيرة بما يكفي لإحداث تغيير فوري، فإنها تفرض ضغطًا إعلاميًا وسياسيًا على الحكومة، وتفتح نقاشًا عامًا حول استراتيجية الحرب، وقد تؤثر تدريجيًا على وتيرة العمليات أو على القرارات المتعلقة بإدارتها. فالحكومات عادة تراقب هذا النوع من المؤشرات المبكرة التي تعكس تحوّلًا في المزاج الشعبي، خصوصًا عندما يترافق مع تدهور اقتصادي وتراجع في الثقة العامة.
في المحصلة، ما يجري في الشارع الإسرائيلي خلال الأسبوعين الأخيرين ليس مجرد تجمعات صغيرة، بل هو مؤشر على بداية تحوّل في الرأي العام. إنه تعبير عن إرهاق شعبي، وتراجع في الثقة بالقيادة، ومخاوف اقتصادية متزايدة، ورغبة في تغيير المسار العسكري والسياسي. ورغم أن هذه الاحتجاجات لا تشبه الحركات الكبرى التي عرفتها إسرائيل في السنوات الماضية، فإنها قد تكون الشرارة الأولى لنقاش داخلي أوسع حول مستقبل الحرب على إيران، وربما بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين المجتمع والحكومة في زمن الأزمات.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
المصدر:
كل العرب