من متابعة وسائل الاعلام الإسرائيلي يتضح ان التعتيم الإعلامي المطبق الذي قامت به الرقابة العسكرية في الأسبوعين الاوّلين للحرب بدأ يتراجع فيما نشر المعلومات بدأ يخرج عن السيطرة وتعج وسائل التواصل الاجتماعي بالأخبار والصور التي كان يحجم عنها الاعلام الرسمي. كما عادت لتظهر على الشاشات صور الاصغاء لتعليمات الجبهة الداخلية والالتزام بها والترويج الى الرواية الحكومية بأن الحالة مؤقتة وبأن التعليمات المشددة هي لإنقاذ الحياة.
الى جانب الشعور بالتململ والقلق الذي يعصف بالمجتمع الإسرائيلي فإن الثقة بإدارة الحرب تهتز، فالأهداف المعلنة في بداية الحرب والتي كانت واضحة وتمحورت في اسقاط النظام والقضاء على المشروع النووي والقدرات الصاروخية، حظيت بثقة الراي العام الإسرائيلي وبقدرة الجيش على تحقيقها بالمزامنة مع القوات الامريكية الكبرى في المنطقة. تعززت هذه الثقة على خلفية الضربة الأولى الامريكية الإسرائيلية وما تلاها من استهداف للقيادات الإيرانية العليا السياسية والأمنية والسيطرة على المجال الجوي الإيراني. حتى ا، الثقة كانت كبيرة بأن إسرائيل حسب تصريحات قادتها كانت تنوي تفكيك الدولة الإيرانية الى أقاليم انفصالية على أساس عرقي وإثني. كما نظرت المؤسسة الحاكمة في إسرائيل مع انضواء حزب الله في الحرب وفتح جبهة حربية بمثابة فرصة لتفكيكه بعد اجتياح لبنان، في حين تحولت هذه الجبهة الى جبهة معقّدة ليس من الواضح كيفية حسمها دون اتفاق سياسي، وليس من الواضح اذا كانت حكومة نتنياهو قادرة على فك الارتباط بين الجبهتين والإبقاء على الجبهة الشمالية مفتوحة حتى وإن اعلن ترامب وقف الحرب ضد ايران.
يشهد الأسبوع الأخير تكثيفا في الصواريخ الانشطارية والتي لا تنجح الدفاعات الجوية باعتراضها، مما يعمق أثر حرب الاستنزاف، فيما ان التقارير من الجيش والحكومة بأن المسعى هو إقامة منطقة عازلة موسعة في لبنان وتهجير سكان الجنوب، كل ذلك لا يجعل المجتمع الإسرائيلي يسعر بالأمان والرضى، وحصريا لأن مثل هذه الحالة عايشها المجتمع الإسرائيلي العام الفائت حين أعلن نتنياهو الانتصار على حزب الله وسحقه وعلى ايران ومشروعيها الصاروخي والنووي. بينما تؤدي تصريحات ترامب وادارته بصدد اقتراب نهاية الحرب الى تعميق البلبلة الإسرائيلية الداخلية والقلق من تكرار الوهم بانتهاء الحرب.
يبدو أنه وفي حال واصل ترامب التمسك بوقف الحرب المشتركة مع اسرائيل ضد ايران، فمن المحتمل ان يشعر المجتمع الإسرائيلي بعين الرضى بالتخلص من حرب استنزاف مكثفة ومتصاعدة ومقلقة. فيما لا يرى اهداف استمرار الحرب غير المحسومة. مثل هذا الاحتمال من المتوقع ان يفتح الأسئلة في إسرائيل حول اعتبار الحرب ليست اضطرارية ولا وجودية، وحول التباين في الأهداف ورغبة المجتمع في الاستقرار والأمان مقابل المستوى السياسي الذي يرى بالحرب استثمارا استراتيجيا لإسرائيل وسياسيا رافعة انتخابية.
في الخلاصة، هناك بوادر تحولات في الرأي العام الإسرائيلي بالانتقال من الشعور العارم بنشوة الانتصار خلال الضربة الافتتاحية الامريكية الإسرائيلية والانتقال الى القلق والاستنزاف مع تواصلها ومآلاتها، وضبابية أهدافها وعدم الثقة بتحقيق ما تمّ الوعد به. فيما لا يوجد تحوّل إسرائيلي شعبي ولا رسمي ولا في المعارضة نحو أي حل سياسي سلمي. بل لا يزال مبعث القلق هو عدم القدرة على حسم الحرب. بخلاف الاعتبارات الحكومية وبخلاف بداية الحرب والتي تعامل معها الراي العام الإسرائيلي بحماسية وتأييد واسع، يحدث تحوّل في المزاج العام وباعتبار انها تنحو باتجاه الورطة.
المصدر:
كل العرب