آخر الأخبار

الحرب أكبر مسوّق للتكنولوجيا وللتموضع الإسرائيلي الجيوسياسي

شارك

كاتب المقال: أمير مخول – مركز تقدّم للسياسات

استنادا للتقديرات الإسرائيلية فإن تكلفة الحرب أسبوعيا تصل الى نحو 3 مليار دولار. وفيما يبدو فإنها ستتواصل للأسابيع القادمة. في المقابل ينظر العديد من المحللين والباحثين الى ان الحرب الامريكية الإسرائيلية على ايران هي فرصة استراتيجية إسرائيلية ستعوض إسرائيل عن أثمان الحرب. فيما يدعو يوفال شتاينتس الوزير السابق ورئيس شركة تطوير الوسائل القتالية (رفائيل) ألمانيا في مقابلة له لصحيفة "بيلد" باقتناء منظومات القبة الحديدة وحتى بتوقيع اتفاقية لتصنيعها في ألمانيا. يبرر شتاينتس توجهه الترويجي بأنه ومنذ السابع من أكتوبر 2023 فقد تم استهداف إسرائيل بنحو خمسين ألف صاروخ ومسيّرة من جبهات متعددة، مشيداً بمنظومات الدفاع الجوي والقبة الحديدية التي من دونها كانت الخسائر الإسرائيلية البشرية والمادية فادحة. فيما تنوي كل من اليونان والهند حذو ألمانيا في ذلك.

يشدد المحللون الإسرائيليون على حقيقة أن الحرب على إيران هي الأولى عالميا المعتمدة في ادارتها على الذكاء الاصطناعي الذي تحظى إسرائيل فيه بمنزلة دولة عظمى. فيما يشيرون الى متانة الاقتصاد الإسرائيلي باعتباره مُصمَّم بنيويًّا كاقتصاد حروب.

لماذا يتسع التباين بالأهداف في سياق الحرب على خليج هرمز؟

ما درج توصيفه بأنه فجوة في الأهداف بين إسرائيل والولايات المتحدة، هو صحيح لكنه لا يفي بتقديم الصورة متكاملة. منذ قبل اعلان الحرب كانت الأهداف الإسرائيلية تشمل تقويض النظام وتفكيك البلاد في ايران باعتبارهما ضمانة لإنهاء التهديد النووي والصاروخي وفقا لنتنياهو. تم تجاوز تباين الأهداف في البداية باعتبار أن الضربة الأولى ستكون كافية كي تسقط النظام دون التورط في حرب ستتحول بالضرورة الى حرب استنزاف. حاليا تدخل الحرب اسبوعها الرابع ولا تبدو مخارج سريعة منها. بل أن حرب الطاقة ومضيق هرمز توسع الفجوة بين طموحات نتنياهو وترامب.

هناك مؤشرات بأن إدارة ترامب بدأت تبحث في مخارج محتملة من الحرب، التي باتت تضرب بالعمق الاقتصادي الأمريكي، فيما يأتي القرار برفع الحظر عن تداول 140 مليون برميل نفط إيراني على متن ناقلات النفط في البحار، وذلك سعيا لدرء تداعيات الحرب على مضيق هرمز وحرب الطاقة على الأسعار دوليا وانعكاسها على السوق الامريكية الداخلية. ثم ان تصريحات ترامب المتضاربة قد تشي بورطته امام خياراته أكثر منه التضليل المقصود. ترامب لا يقبل سياسيا انهاء الحرب دون انجاز محقَّق، ولا التفاوض مع ايران في حين تكثف استهدافها للمصالح الامريكية وللمواقع الإسرائيلية.

يتسع نطاق التقديرات الإسرائيلية بأن التباين بين الأهداف الامريكية والإسرائيلية آخذ بالاتساع، وبأن التحول الى الاختلاف العلني بالأهداف هو مسألة وقت بما فيه كيل الاتهامات المتبادلة بالمسؤولية وعن إطالة أمد الحرب وعدم القدرة على حسمها والانزياح الى حرب الطاقة وتداعياتها عالمياً. فيما يبدو أثر حرب الطاقة وأسعار النفط والغاز منعكسة أكثر على الاقتصاد الأمريكي منه على الاقتصاد الإسرائيلي الذي تفيد التقديرات بأنه سيتعزز جراء أزمة طاقة وإمدادات عالمية. تمنح هذه المتغيرات لحكومة نتنياهو الاستعداد لنسف طريق عودة ترامب عن الحرب والتفتيش عن بدائل.

تراهن التقديرات الإسرائيلية أيضا على أن موقع إسرائيل الجغرافي وسيطرتها على كميات هائلة من الغاز في شرق المتوسط وبما فيه الغاز الفلسطيني، بالإضافة الى موقعها المحوري في الامدادات من آسيا الى أوروبا بما يضمن أمن الامدادات وسلامتها ويقلص الوقت لوصولها الى غاياتها. كما تطرح إسرائيل موانئها على المتوسط في حيفا واسدود باعتبارها بوابات ومراكز لوجستية للتجارة العالمية المضمونة. من هذا المنطلق لا تخشى إسرائيل من احتمالية اغلاق الحوثيين للبحر الأحمر ومن خلاله قناة السويس، بل باتت لها قدرات بأن تقوم هي بذلك عند الضرورة وبعد العلاقات مع "ارض الصومال" (صومالي لاند) وحصريا القواعد العسكرية والاستخباراتية التي تقيمها في هذا الإقليم الانفصالي المطل على خليج عدن وباب المندب. فيما أن اغلاق البحر الأحمر يضرب وضعية قناة السويس التي تسعى إسرائيل الى عرض بديل دوليٍّ لها.

يقوم هذا الرهان الإسرائيلي على اعتبار أن النظام العالمي الذي تسعى له إدارة ترامب في الهيمنة الامريكية على الممرات المائية وطرق الامدادات والطاقة، إنما يتطلب تغييرا جذريا في خارطة هذه الممرات بخلاف ما هو قائم حاليا ومنذ أمد. تظهر من جديد في الأولويات الإسرائيلية إلْحاحيّة تموضع إسرائيل ذاتيا باعتبارها "قوة عظمى إقليميا ودوليا" كما يكرر نتنياهو، وبهذا المفهوم فهي تنظر جوهرياً بارتياح الى عدم تجنّد دول حلف الناتو والغرب للحرب على ايران، مما يرسخ الدور الإسرائيلي كقوة ضاربة أمامية في مشاريع الهيمنة الامريكية.

كل ذلك بشرط الانتصار على إيران وسحق النظام والدولة، وكل ما هو دون ذلك يشكل ضربة لوضعية الولايات المتحدة في المنطقة وعالميا ويما ينعكس على تردي وضعية إسرائيل. كما تسعى حكومة نتنياهو الى استغلال الحرب لدفع الولايات المتحدة والهند واليونان وقبرص الى اعتماد الممر المائي البري الى أوروبا ليمر من إسرائيل بما فيه كوابل الطاقة البحرية بالألياف الضوئية، وتجاوز المنافسة التركية القطرية التي تريد ان يمر من الأراضي السورية الى البحر وأوروبا، وبوصفه أداة سيطرة في طرق الامدادات والتجارة العالمية. وإذ ترى إسرائيل بكل من تركيا ومصر منافسين قويين، فإنها في حال نجح رهانها تسدد ضربتين للمشروع التركي ولقناة السويس.

أزمة إمدادات الطاقة عالمياً هي فرصة تاريخية اسرائيلياً

تشير عنات هوخبرغ مروم الباحثة في العلاقات الدولية وسياسات الطاقة، الى أن الضربة الامريكية لجزيرة "خرج" التي تشكل "جوهرة التاج" لصناعة النفط الإيرانية، يضع سوق الطاقة والاستقرار الدولي عند نقطة غليان استراتيجية، ويخلق نافذة تاريخية من الفرص لإسرائيل. كما تؤكد الباحثة بأن استمرار اغلاق مضيق هرمز يعني الإبقاء يومياً على 14.8 مليون برميل نفط من دون تصديرها الى الأسواق العالمية، وبأنّ إلغاء الحظر على النفط الروسي ليس بمقداره التعويض بشكل كامل. وترى هوخبيرغ بأن الضرر للاقتصاد العالمي يتراوح ما بين 330 مليار دولار ولغاية 2.2 ترليون دولار بناء على امتداد الحرب. وفقا للباحثة تشكل هذه الحالة فرصة كبرى لإسرائيل كركيزة أساسية لاستقرار الطاقة والإمدادات للغرب ودول الخليج.، كما تراهن على أن البنى التحتية الاستراتيجية الإسرائيلية وحصريا الموانئ تصبح برؤية مستقبلية بنى تحتية للنقل الدولي ولنظام دولي آخذ بالتبلور، وترسخ إسرائيل مكانتها كحلقة وصل لا غنى عنها في بنية الطاقة العالمية الناشئة، والتي تُحوّل مركز الثقل بعيدًا عن النفوذ الايراني، كما وتضمن تمتعها بمكانة غير مسبوقة من القوة الجيوسياسية والاقتصادية.

سقوط فرضية ان إسرائيل لا تحتما الحرب الممتدة

بخلاف التحليلات التي تقول بأن الاقتصاد الإسرائيلي لا يحتمل حربا طويلة الأمد، فإن هذا كان صحيحا لغاية سنوات الثمانين حيث اتضح ان الحروب لم تعد تحسم الصراعات حتى في واقع الحروب غير المتكافئة. كما حدثت طفرة حصرية في مسألة الحرب الطويلة بعد السابع من تشريناكتوبر 2023. فعليا إسرائيل موجودة في حالة حرب ساخنة لنحو عامين ونصف.

يرى الباحث شلومو معوز وهو من أبرز الباحثين في الاقتصاد السياسي، بأن العالم يعترف بقوة إسرائيل في جميع المجالات ذات الصلة باقتصاد حديث وقوي؛ المجال العسكري المعتمد على الذكاء الاصطناعي؛ والمجال السياسي، حيث انضمت إسرائيل إلى أعظم قوة في العالم كشريك وقوة ضاربة؛ ومجال الأعمال، حيث تجاوزت صادرات الخدمات عالية التقنية لأول مرة الصادرات التجارية؛ والمجال التكنولوجي (بما في ذلك الأمن السيبراني)؛ والمجال المالي. فيما يعتبر أن أحد معايير هذه القوة الإسرائيلية ينعكس في الاستثمار الأجنبي المباشر في إسرائيل وحصريا في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن قد وصل الى 57.2 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الأخيرة. بموازاة ذلك تفيد دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية الى ارتفاع صافٍ في إقراض الاقتصاد الإسرائيلي للخارج، بمقدار 41.7 مليار دولار ليصل إلى 331.3 مليار دولار العام الماضي. كما ارتفعت الاستثمارات المباشرة للإسرائيليين في الخارج عام 2025 إلى 14.5 مليار دولار، بعد أن بلغت 9.9 مليار دولار عام 2024 و7.7 مليار دولار عام 2023.

يرى الباحث معوز بأن الحرب على إيران هي خير مسوّق للعتاد العسكري الإسرائيلي المعتمد على التكنولوجيا فائقة التطور وعلى الذكاء الاصطناعي، وبأن استهداف القيادات الإيرانية وقبل ذلك حزب الله في الصيف الماضي كلها تجعل سوق المنتوجات التكنولوجية والاستخباراتية الإسرائيلية تبلغ مكانة غير مسبوقة إسرائيليا ودوليا. فعليا يرى الباحث بأن الاقتصاد الإسرائيلي ينتعش في الحرب.

بخلاف ما ذكر، فإن اقتصاد الحرب وبنيته من تكنولوجيا وذكاء اصطناعي عسكري، انما يشكل قاطرة للاقتصاد، بينما يعزز التباينات الاجتماعية الداخلية في المجتمع الإسرائيلي لصالح شرائح محدودة للغاية، والتي بدورها تلعب دورا في الصراعات والشروخ الاجتماعية التي تعصف بإسرائيل وبأشكال مختلفة.

الولايات المتحدة قوة عظمى أولى عسكريا لكن سوق النفط متعدد الاقطاب

أمريكياً، فإن الولايات المتحدة تثبت نفسها عسكريا بأنها القوة العظمى دون منازع، بينما هذه القوة لا تجعلها تحقق أهدافها بل تورّطها الحروب. المثال على ذلك هو أن وضعية الولايات المتحدة في المنطقة والعالم لم تتحسن في الحرب على إيران بل تراجعت. ومن الوارد وفقا للتوقعات الامريكية بأن ضعضعة مكانتها هي نتاج القرار السياسي الذي تسعى الى إعادة العالم الى نظام القطب الواحد غير الممكن. ثم أن الدولة العظمى الأولى ومهما بلغت ترسانتها ومقابل حرب غير متكافئة، فإنها غير قادرة كما حاولت في البداية على ضبط وتيرة الحرب، مقابل ان الحرب على موارد الطاقة خرجت عن سيطرتها ولا تملك الغلبة فيها.

قد يفسر هذا الامر حقيقة تراجع تأييد الحرب أمريكيا مما قد ينعكس على تدنّي شعبية ترامب وحزبه في الانتخابات النصفية للكونغرس، بينما لغاية الان ترتفع شعبية نتنياهو وتتعزز مكانته في إسرائيل. هذا الواقع قد ينقلب على ضوء تحول الحرب الى حرب استنزاف مكثفة تطال كل الجغرافيا في إسرائيل.

في الخلاصة

تشير مآلات الحرب الى حرب استنزاف مكثّفة ومتواصلة ولا تبدو كبيرة احتمالات حسمها عسكريا، دونما مخرج سياسي ذو صلة بالقرار الأمريكي.

مع انزياح الأولويات من اسقاط النظام الإيراني الى مساعي السيطرة على مضيق هرمز وامدادات الطاقة يتسع نطاق التباينات بين نتنياهو وترامب بحيث الأول يريد استهداف مخزون الطاقة الإيراني دون الاكتراث لتداعيات ذلك على دول الخليج وعلى الاقتصاد العالمي والامريكي، فإن ترامب لا يستطيع تجاوز هذه التداعيات واخذها بعين الاعتبار.

الغلبة في إسرائيل لصالح التقديرات بأن اتساع نطاق ازمة الطاقة العالمية يشكل فرصة تاريخية نحو التموضع كركنٍ محوريّ في ترسيخ طرق الامدادات البديلة عما هو قائم دوليا، وتحويل بنيتها الاستراتيجية الذاتية الى بنية عالمية للتجارة ولإمدادات الطاقة.

بخلاف التوقعات بأن إسرائيل غير قادرة سكانيا ومعنويا واقتصاديا التعامل مع حرب مستدامة، فإن الاقتصاد الإسرائيلي يتجه بتسارع نحو اقتصاد حرب "إسبارطي" وفقا لنتنياهو. وخلافا للنقد السياسي الدولي الغربي فإن الاقتصاد الإسرائيلي يشكل نقطة جذب عالمية ويتمثل ذلك بالاستثمارات المباشرة فيها (57.2 مليار دولار خلال ثلاث سنوات الحرب)، وبحجم الإقراض للخارج ليصل الى 331.3 مليار دولار).

ترى حكومة إسرائيل بالحرب الحالية استثمارا استراتيجيا وفرصة تاريخية على الأصعدة الاقتصادية، والسياسية والعسكرية إقليميا ودولياً، وللمدى القريب سوقا للترويج لمنظوماتها الأمنية فائقة التطور.

تباين الأهداف بين حكومة نتنياهو وإدارة ترامب لا أثر مباشر له على امتداد الحرب المشتركة لغاية الان. مع التأكيد بأن مفتاح إنهاء الحرب هو بيدي ترامب وليس نتنياهو، فيما يسعى الأخير الى منع حدوث ذلك. فيما لا تزال معظم الرهانات تحتكم الى نتائج الحرب غير المحسومة.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا