الصيام حين يُستعاد من ضجيج العادة.....
بقلم الشيخ الدكتور محمد بدران – مدير عام دار الإفتاء والبحوث الإسلامية/الداخل الفلسطيني
كثيرًا ما يتحوّل الصيام، مع التكرار، إلى ممارسة زمنية تُؤدّى أكثر مما هي تجربة قلبية تُعاش. نُمسك عن الطعام، نراقب الغروب، ونحسب الساعات، لكننا نغفل عن السؤال الأعمق: ماذا يفعل الصيام فينا؟
رمضان لا يأتي ليغيّر نظام يومنا فحسب، بل ليعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا، وبالله، وبالعالم من حولنا.
الصيام تربية على الغياب المقصود........
في الصيام نتعلّم كيف نغيب بإرادتنا عمّا نُحب، لا لأنّه محرّم في ذاته، بل لأنّ الامتناع المؤقّت يصنع وعيًا دائمًا.قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183). لم يقل: لعلكم تجوعون، بل لعلكم تتقون؛ أي لتنشأ في القلب حالة يقظة دائمة، يشعر فيها الإنسان برقابة الله، حتى في اللحظات التي لا يراه فيها أحد.
الجوع كمعلم صامت.........
الجوع في رمضان ليس غاية، بل أداة تربية.
حين يجوع الجسد، تخفّ وطأة الاعتماد على المادة، وتستعيد الروح مساحة الإصغاء.
الجوع يساوي بين الناس جميعًا؛ لا يفرّق بين غني وفقير، وفي هذا التساوي تذكير بعدالة الشعور قبل عدالة التوزيع، قال النبي ﷺ: "الصيام جُنّة" (رواه البخاري)، هو جُنّة من الغفلة، ومن انفلات الشهوة، ومن قسوة القلب التي تصنعها الوفرة الدائمة.
الصيام وضبط اللسان لا المعدة فقط..........
من أخطر ما يُفرغ الصيام من معناه أن ينحصر في الإمساك عن الطعام، مع إطلاق اللسان والجوارح.
وقد نبّه النبي ﷺ إلى هذا الخلل بقوله: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (رواه مسلم). وفي رمضان يُعاد تعريف الصيام: صيام عن الكذب، عن الاستفزاز، عن الغيبة، عن الانتصار للنفس، فكل كلمة لا تليق بروح الصيام تُحدث فيه ثقبًا، وإن بقي الجسد ممسكًا.
الصيام وإعادة اكتشاف الزمن............
في غير رمضان نستهلك الوقت بلا وعي.
أما في الصيام، فالزمن يصبح محسوسًا: الدقائق قبل المغرب، الساعات الأولى من النهار، لحظة الأذان.
وهنا يتعلّم الإنسان أن الانتظار عبادة حين يُربط بالنية، وأن الصبر ليس فراغًا، بل حضورًا هادئًا.
قال بعض السلف: "الصائم في عبادة ما دام ينتظر الفطر".
الصيام كمساحة صُلحٍ مع النفس...........
- رمضان لا يطلُب من الإنسان الكمال، بل الصدق.
- أن يعترف بضعفه، بتقصيره، ثم يعود.
- أن يتعثر يومًا، ثم ينهض في اليوم التالي دون يأس.
فالصيام لا يُقاس بعدد الأيام المثالية، بل بقدرة القلب على الرجوع.
الصيام حين يصبح حارسًا للنية...............
من أعمق أسرار الصيام أنه عبادة لا يطّلع على حقيقتها إلا الله، قد يُظهر الإنسان الصيام ويُبطن الفطر، أو يُظهر التعب ويُخفي الرياء، ومع ذلك يبقى الصيام الحقيقي محفوظًا في دائرة النية، ولهذا جاء في الحديث القدسي: "قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به" (رواه الترمذي)
في هذا المعنى تربية دقيقة على الإخلاص:
أن تعمل دون شهود، وأن تصبر لأن الله يعلم، لا لأن الناس يرون.
وحين تتحوّل النية إلى حارس داخلي، يصبح الصيام تدريبًا عمليًا على الاستقامة في الخفاء.
ما الذي يبقى بعد رمضان؟...............
الاختبار الحقيقي للصيام لا يكون في آخر يوم من الشهر، بل في أول يوم بعده.
- ما الذي بقي فيك؟
- هل بقي شيء من الصمت الواعي؟
- من ضبط اللسان؟
- من استحضار نظر الله؟
إن مرّ رمضان وترك أثرًا -ولو صغيرًا- فقد أدّى رسالته.
فالصيام ليس موسم حرمان، بل مدرسة وعي… ومن دخلها بصدق، خرج منها مختلفًا...
المصدر:
كل العرب