في ظل تفشي العنف والجريمة في مجتمعنا العربي، وما يرافق ذلك من شعورٍ بالإحباط والعجز، تبرز مدينة سخنين كنموذجٍ مُشرف ومثالٍ يُحتذى به في كيفية مواجهة هذه الآفة الخطيرة من داخل المجتمع نفسه، وبأدواته القيمية والاجتماعية الأصيلة.
أولًا، لا تزال العادات والتقاليد الأصيلة والاحترام المتبادل حاضرة وقوية في سخنين، وتسود بين العائلات والحمائل. فما زالت كلمة الكبير مسموعة، وما زال الشاب السخنيني يُصغي للنصيحة ويحسب حسابا للأهل والعائلة والمجتمع. هذا الرصيد الأخلاقي والاجتماعي يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الانحراف والعنف.
ثانيا، كانت سخنين سبّاقة في تفجير الهبة الشعبية ضد العنف والجريمة، وبالذات من خلال الدور البارز الذي قاده السيد علي زبيدات، حيث تحولت هذه المبادرة إلى صرخة مجتمعية قوية، سار على نهجها لاحقا معظم بلداتنا العربية. لقد أثبتت هذه الهبة أن المجتمع حين يتحرك موحدا، يستطيع فرض أجندته وحماية نفسه.
ثالثا، تقوم الحمائل والعائلات في سخنين بدورٍ مركزي في ضبط سلوك أبنائها، وعدم التستر على من يخرج عن الطريق القويم أو يسلك مسار الإجرام. فالمحاسبة الاجتماعية، والنصح الصارم، ورفض الانحراف، هي أدوات فعالة أثبتت نجاعتها، وقد أكدتُ على هذا الدور في مقالاتٍ لي سابقة، ولا أزال أؤمن بأن العائلة هي الأساس في العلاج والوقاية.
رابعا، إن ما شاهدناه في سخنين بدأ يتكرر أيضا في قرية البعينة–نجيدات، وقرى البطوف، كفر مندا، حيث بدأت العائلات تتحرك وتتحمل مسؤولياتها، وتفرض حدودا واضحة، وتُعيد الاعتبار لدور المجتمع المحلي في ضبط الأمن الاجتماعي. وهذا تطور ممتاز وإيجابي نرجو أن يسود وينتشر في جميع قرانا ومدننا العربية.
خامسا، من هنا، أتوجه بنداءٍ صادق إلى جميع العائلات والحمائل: اتبعوا نهج سخنين، ولا تنتظروا الحلول من الخارج. فالتجربة أثبتت أن الشرطة أو أي جهة رسمية أخرى لن تستطيع حل مشاكلنا ما لم نبدأ نحن أولًا بإصلاح بيوتنا ومجتمعنا من الداخل.
وأخرًا وليس آخرا ، لا بد من التذكير بالحكمة الشعبية الخالدة:"ما حكّ جلدك إلا ظفرك".
فإذا لم نتحمل نحن مسؤولية معالجة العنف والجريمة في مجتمعنا، فلن يفعل ذلك أحد بالنيابة عنا. وسخنين، اليوم، تقدم لنا الدليل العملي على أن الحل ممكن، وأن الإرادة الجماعية قادرة على إحداث التغيير المرجو الذي انتظرناه طويلا .
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
المصدر:
كل العرب