لم يعد العنف المستشري في المجتمع العربي داخل إسرائيل ظاهرة جنائية معزولة أو نتاجًا لأزمات اجتماعية واقتصادية عابرة، بل تحوّل خلال العقد الأخير إلى ظاهرة بنيوية مركّبة، تتقاطع فيها السياسة مع الأمن، وتُدار في ظل علاقة مختلّة بين الدولة ومواطنيها العرب. فالعنف اليوم لم يعد استثناءً، بل بات واقعًا يوميًا يهدد الحياة والأمان والبنية الاجتماعية، في وقت تجاوز فيه عدد ضحايا القتل في المجتمع العربي الى أكثر من 700 ضحية خلال السنوات الثلاثة خلال حكومة نتانياهو وبن غفير الحالية، فيما سقط نحو 40 ضحية منذ مطلع هذا العام فقط.
وما نشهده في هذه الايام ليس فقط ارتفاعًا في عدد الجرائم، بل تحوّلًا نوعيًا في طبيعة العنف. فقد انتقل من خلافات محلية محدودة إلى شبكات إجرام منظّم تمتلك السلاح والنفوذ والقدرة على فرض الإتاوات، والتدخل في الاقتصاد المحلي، بل والتأثير على الحكم المحلي والانتخابات. ان هذا التحوّل أضعف آليات الضبط التقليدية، وقلّص دور العائلة والقيادات الاجتماعية، وخلق واقعًا تتآكل فيه قدرة المجتمع على حماية ذاته.
فمنذ تولّي وزير الأمن القومي منصبه، شهد الخطاب الرسمي تجاه المجتمع العربي تصعيدًا خطيرًا، انتقل من لغة فرض القانون إلى خطاب سياسي عدائي يصوّر العرب كمصدر تهديد. وفي هذا السياق، جرى تسييس صارخ لعمل الشرطة، وتحويل الأولوية من مكافحة الجريمة إلى قمع الاحتجاج السياسي، مع تعطيل برامج حكومية سابقة، وإهمال ملف السلاح، وترك العصابات تتغوّل. وهكذا، لم يعد العنف مجرد نتيجة للإهمال، بل أصبح جزءًا من مشهد سياسي يُدار بمنطق الردع لا العدالة.
ففي مواجهة هذا الواقع، برزت خلال الفترة الأخيرة موجة احتجاجات شعبية واسعة ضد العنف، كان لما جرى في سخنين دور مفصلي، حيث شكّلت الاحتجاجات هناك نموذجًا لانتقال المجتمع من موقع الضحية الصامتة إلى الفعل الجماعي المنظّم. كما شهدت قرى ومدن عربية مختلفة مظاهرات وضغوطًا على المجالس المحلية، التي كان لها دور واضح في إقامة لجان شعبية لمواجهة الظاهرة، في ظل غياب فعلي لدور الشرطة.
وما جرى في جديدة المكر، والصلح الذي عُقد هناك، يشكّل دليلًا إضافيًا على قدرة المجتمع، حين ينظم نفسه، على فرض معادلات مختلفة، بعيدًا عن انتظار مؤسسات غائبة أو متقاعسة.
ويمكن القول العنف في المجتمع العربي داخل هذه الدولة ليس قدرًا، بل نتاج سياسات بنيوية متراكمة. وهو يشكّل اليوم معركة سياسية على الحق في الحياة الآمنة، وعلى بقاء المجتمع متماسكًا وفاعلًا. إن استمرار نزيف الدم يكشف بوضوح طبيعة العلاقة التي تُفرض على العرب في هذه البلاد ضبط أمني بدل شراكة مدنية، وتفكيك بدل تمكين.
ومع ذلك، فإن مشاهد الاحتجاج والتنظيم الشعبي تؤكد حقيقة واحدة ومؤكدة بان هذا المجتمع، رغم الجراح، ما زال قادرًا على الفعل، وعلى تحويل الألم إلى موقف، والدم إلى صرخة سياسية لن تُسكت
المصدر:
كل العرب