في مرحلة تاريخية شديدة الحساسية يمرّ بها مجتمعنا العربي في إسرائيل، حيث تتصاعد الجريمة ويُستباح الدم، يفرض الواقع سؤالًا أخلاقيًا ووطنيًا ودينيًا لا يمكن الهروب منه: بأي منطق نواجه هذا الانحدار؟ بمنطق الغريزة أم بمنطق العقل؟ بالثأر أم بالقيم؟ أقولها بوضوح ومن موقع الألم لا التنظير: العفو لغة العقل، أما الثأر فلغة الجهل. نعم، وبكل ثقة، وقفتُ على قبر ابني معاذ، رحمه الله، وقلت: لا أريد ثأرًا ولا انتقامًا، وإنما أريد رحمة من الله لابني، وأريد توبة صادقة من القاتل، وأريد أن يتحمّل مسؤوليته الإنسانية بأن يتكفّل بخمسة أيتام من أيتام غزة. لم يكن هذا الموقف لحظة ضعف أو هروبًا من الألم، بل ثمرة تفكير عميق وإيمان راسخ بأن الدم لا يوقفه دم، وأن العنف لا يُطفأ بالعنف، وأن المجتمعات لا تُبنى بردود الفعل، بل بالبصيرة.
العفو في جوهره ليس موقفًا عاطفيًا عابرًا، بل أصل ديني ومنهج أخلاقي متكامل. يقول الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ويقول سبحانه: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. لم يجعل القرآن العفو تنازلًا، بل قرنه بالإصلاح وربطه بأجر موكول إلى الله، أي أجر لا يخضع لموازين الناس ولا لحسابات اللحظة. بل يذهب أبعد من ذلك حين يضع بوصلة التعامل مع الشر: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فالعفو هنا سياسة أخلاقية واعية لا تهاونًا ولا استسلامًا.
وفي السنة النبوية تتجذّر هذه القاعدة بوضوح. يقول النبي ﷺ: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه»، ويقول ﷺ: «إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». فالقوة في ميزان الإسلام ليست في القدرة على الانتقام، بل في القدرة على ضبط النفس واتخاذ القرار الأخلاقي وقت الألم. ويؤكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا»، وهي قاعدة اجتماعية بقدر ما هي روحية. كما يرسّخ ﷺ مبدأ الصبر عند الصدمة الأولى حين يقول: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»، ليؤكد أن الامتحان الحقيقي للقيم يكون في اللحظة الأصعب، لا بعدها.
ومن الخطأ الجسيم حصر العفو في صغائر الأمور فقط. فالقرآن والسنة يقدّمانه كبوصلة أخلاقية شاملة، من أصغر الزلات إلى أكبر الجرائم، مع حفظ الحقوق ومنع الفوضى. يقول تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وكأن الخطاب موجّه إلى العقل الجمعي: لا يمكن لمجتمع يطلب الرحمة الإلهية أن يُغلق باب الرحمة بين أفراده. ويؤكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
إن انتشار الجريمة في مجتمعنا ليس ظاهرة معزولة، بل نتيجة مباشرة لطمس الهوية الوطنية والدينية، وإفراغ القيم من مضمونها، وتحويل الانتماء إلى شعار بلا روح. حين يُفصل الإنسان عن أرضه، وعن تاريخه، وعن منظومته الأخلاقية، يصبح العنف لغة بديلة، وتغدو الجريمة تعبيرًا مشوّهًا عن فقدان المعنى. لذلك فإن الرد الحقيقي على الجريمة لا يكون بالثأر، بل بإعادة الاعتبار للهوية، وتعزيز الانتماء للوطن، وللأرض، وللشعب، وللمقدسات، وترسيخ القيم التي شكّلت عبر التاريخ صمّام الأمان لمجتمعنا.
يخطئ من يظن أن العفو عجز أو ضعف. العفو هو قمة القوة، وهو أعلى درجات المسؤولية الوطنية والإنسانية والدينية والاجتماعية. الانتقام قد يُرضي الغضب لحظة، لكنه يترك المجتمع أسير دائرة دم لا تنتهي، أما العفو الواعي فيفتح أفق الإصلاح ويمنع الانهيار. من هنا تبرز الحاجة إلى قيادات جديدة، لا تكتفي بالحديث عن القيم من فوق المنابر، بل تجسّدها في لحظات الألم الحقيقي، حين يكون الصمت أسهل، والعنف أقرب.
حين اخترتُ العفو، لم يكن ذلك موقفًا فرديًا، بل رسالة متعددة الاتجاهات. رسالة إلى الأجيال القادمة بأن العفو ليس ضعفًا بل وعيًا وشجاعة. ورسالة إلى القاتل، الذي هو بدوره نتاج سياسات وواقع مشوّه، بأن باب التوبة مفتوح، وأن الرجوع إلى الله ممكن، وأن العودة إلى حضن المجتمع حق، ولا يجوز لنا دينيًا ولا أخلاقيًا أن نغلق هذا الباب. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
في الخلاصة، العفو ليس خيارًا مثاليًا منفصلًا عن الواقع، بل ضرورة عقلية وأخلاقية لحماية مجتمع أُريد له أن يغرق. بالعفو نحفظ إنسانيتنا، وبالعفو نكسر دائرة الدم، وبالعفو وحده تبقى البوصلة الأخلاقية في اتجاهها الصحيح، من أصغر الصغائر إلى أكبر الكبائر
المصدر:
كل العرب