آخر الأخبار

محسن يوسف خليفة (أبو خالد)… عام على الرحيل وحضور لا يغيب

شارك

في الذكرى السنوية الأولى لرحيل والدي محسن يوسف خليفة (أبو خالد)، تعود الذاكرة لا لتستحضر فردًا من عائلتنا فحسب، بل لتستعيد سيرة إنسان طيب ورجل كريم ارتبطت حياته بتاريخ مكان وجيل كامل، جيلٍ عاش التحولات الكبرى لفلسطين في القرن العشرين، من الانتداب البريطاني، إلى النكبة، فالحكم العسكري، وصولًا إلى مرحلة الصمود والبناء داخل الوطن، وبرحيله في الثالث من شباط عام 2025، عن عمر ناهز واحدًا وتسعين عامًا، طويت صفحة حياة طويلة، لكنها بقيت مفتوحة في الذاكرة والوجدان لأبنائه ومجتمعه.

مصدر الصورة


وُلد محسن يوسف خليفة في الثالث عشر من كانون الأول/ديسمبر عام 1933 في قرية عبلين في الجليل الأسفل، في بيئة فلسطينية قروية بسيطة تعتمد على الزراعة والتكافل الاجتماعي، حيث كانت العائلة والأرض تشكّلان محور الحياة. نشأ مع عائلته على قيم العمل والكرامة، وتعلّم منذ صغره أن الإنسان يُقاس بموقفه وأخلاقه لا بما يملك. تلقّى تعليمه الأساسي في مدرسة القرية، لكنه في الوقت ذاته كان جزءًا من الحياة اليومية والعائلة المصغرة لأخوته واخواته وابيه يوسف وأمه صفية الذين يحاول ونخوض معترك الحياة مع صعوباتها في القرية، حيث كان يساعد والده في الزراعة، فتشكّلت شخصيته بين تعب الأرض ودفء العائلة.
وفي عام 1944 فقد محسن والده وهو في الحادية عشرة من عمره، فكانت والدته الحاجة صفية حسين خليفة السند الأكبر في حياته، إذ زرعت فيه الصبر والمسؤولية، وربطته بالأرض والانتماء. جاءت نكبة عام 1948 لتشكّل الجرح الأعمق في مسيرته، احتُلّت عبلين خلال عملية ديكل، واضطرت العائلة إلى النزوح شمالًا، متنقلة بين القرى حتى وصلت إلى جنوب لبنان. وهناك ذاقوا مرارة اللجوء والخوف والجوع، لكن الغربة لم تطل. اذ رفضت الأم حياة المنفى، واتخذت قرار حاسما بالعودة من لبنان مهما كانت المخاطر. عادوا مشيًا على الأقدام إلى عبلين، ليجدوا البيت منهوبًا، والحياة مقلوبة رأسًا على عقب، وليبدأ محسن فصال جديدا تحت الحكم العسكري.
ومطلع في الخمسينيات، ومع تضييق الخناق على الفلسطينيين في الداخل، انتقل محسن مع والدته إلى مدينة حيفا للسكن بحثًا عن العمل. وعاشوا في أحيائها العربية التي بقيت بعد النكبة، مثل وادي النسناس، وادي الجمال، شارع عباس، والحليصة، وعمل هناك في مهن شاقة حتى تتحسن وتستقر اموره الحياتية، وبعدها انتقل للعمل في قطاع النقل. وهناك لمس التمييز اليومي، لكنه لم ينكسر، بل رأى في العمل وسيلة للبقاء والصمود والاصرار. وفي عام 1956 تزوج من آمنة علي حسن من عبلين، التي كانت شريكة حياة حقيقية في مسيرة مليئة بالتحديات. معًا أسّسا عائلة متماسكة، وأنجبا أبناءً وبنات، وقاموا بتربيتهم على قيم الاحترام، والاعتماد على الذات، وحب الناس.
وبعد حادث طرق خطير كاد يودي بحياته في أوائل الستينيات، أثناء عمله في إحدى شركات النقل، اتخذ محسن قرارًا حاسمًا بعدم العمل تحت إدارة تمسّ كرامته. واتجه إلى العمل الحر والمستقل في حقل النقل حيث اقام شركة مستقلة للنقل تابعة له. حيث لم يكن ذلك مجرد مصدر رزق، بل تعبيرًا عن رغبته في الاستقلال والحرية، وقد مكّنه هذا الخيار من إعالة أسرته بكرامة، وبناء شبكة علاقات إنسانية واسعة مع الناس من مختلف الخلفيات، وقد ساعد العديد من الاخوة والأصدقاء في العديد من القرى العربية المجاورة كسخنين طمرة ودير حنا للقدوم الى حيفا حيث وفر لهم العمل بشراكة وتعاون معه في مدينة حيفا التي لم ترضخ للحكم العسكري كما كان عليه الحال في القرى والمدن العربية.
لقد آمن أبو خالد إيمانًا عميقًا بأن التعليم هو السلاح الحقيقي للفلسطيني بعد النكبة. لذلك شجّع أبناءه وبناته على التعليم العالي، ودعم خياراتهم دون فرض، معتبرًا نجاحهم الأكاديمي امتدادًا لحلمه بمستقبل أفضل للأجيال القادمة. وفي عام 1970، اتخذ قرارًا مفصليًا بالعودة إلى قريته عبلين، في وقت فضّل فيه كثيرون البقاء في المدن. لم تكن العودة حنينًا فقط، بل مشروعًا اجتماعيًا وعائليًا لإعادة ترميم الروابط التي قطعتها النكبة، فصار بيته في قرية عبلين مركزًا للعائلة الكبيرة، ومكانًا للقاء الأقارب والأصدقاء. وعُرف محسن يوسف خليفة بين أبناء بلدته وأصدقائه بدماثة أخلاقه، ووفائه، واستعداده الدائم للمساعدة. ولم يكن خطيبًا ولا سياسيًا، لكنه مارس دوره الاجتماعي بهدوء، واحترام وعلاقة متواصلة مع المجتمع المحلي حيث كان يضحي بوقته الكثير من اجل حل مشاكل أبناء مجتمعه الذين أحبهم، كان قريبًا من الناس، يحترم الاختلاف، ويؤمن بأن قوة المجتمع في تماسكه، وأن الخلاف لا يفسد للود قضية.
وتابع ما يجري حوله بوعي، وتمسّك بموقفه الإنساني والوطني، معتبرًا أن البقاء لأبنائنا وبناتنا في هذا الوطن هو بمثابة ثبات وصمود وتعليم يومي يبدأ من الحفاظ على الأرض، ويمرّ عبر بناء الإنسان. واليوم الثالث من شباط وبعد عام على رحيله، لا نقف عند الحزن فقط، بل نستحضر سيرة رجل مثّل جيلًا كاملًا صمد وبنى رغم الفقدان والاقتلاع. جيل لم يُكتب له أن يعيش في دولة مستقلة، لكنه حافظ على الكرامة، وربّى أبناءه على الأمل، وجعل من الحياة فعل مقاومة هادئة.
إن كتابة هذه السطور ليست سوى اختصار لسيرة طويلة ومتشعبة، تختزن تاريخ عائلة وقرية ومرحلة كاملة من تاريخ العرب الفلسطينيين في الداخل. وفي هذه الذكرى، نعلن أننا نعمل على إعداد كتاب وسيرة ذاتية موسّعة عن حياة محسن يوسف خليفة، توثّق مسيرته بتفاصيلها الإنسانية والتاريخية، لتبقى شاهدًا للأجيال القادمة، ووفاءً لذاكرة رجل عاش بصمت، وترك أثرًا لا يزول.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا