في ألمانيا ، تعيش جاليات كثيرة بأعداد متفاوتة، لكن الأنظار تتجه صوب تلك التي صارت أعدادها في البلد كبيرة، أي الجاليات القادمة من بلدان الأزمات والحروب، ومنها الجالية السورية.
كانت أسباب نزول السوريين إلى الشارع في بلدان أوروبا متعددة، وكانت آخرها احتفالات جمعت السوريين في أكبر الاحتفالات فرحا بسقوط النظام. لكن ليس الفرح فقط ما يدعوهم للتظاهر، بل في أحيان كثيرة، الغضب أيضا.
"قنبلة حقيقية رموها علينا"، عنوان فيديو انتشر في الآونة الأخيرة بعد وقفة لسوريين في مدينة دوسلدورف، كان المراد منها التعبير عن دعم حكومة البلد الجديدة في وقت شهد فيه الداخل السوري أزمة يراد من خلالها كما يقول سوريون على وسائل التواصل الاجتماعي تقسيم البلد.
هذا الفيديو اتخذناه في مهاجر نيوز نموذجا، لنتأكد من صحته أولا لخطورة ما جاء فيه، لكن أيضا لنعرف تأثير ترويج مثل هذه المواد الإعلامية على الأزمات التي تعيشها جالية ما في بلد ما.
تواصل فريق مهاجر نيوز مع الشرطة، التي أكد المتحدث باسمها في مدينة دوسلدورف، أنه خلال "التجمع المذكور، عثرت الشرطة على جهاز ألعاب نارية. صُنِّف الجهاز مبدئيا على أنه ألعاب نارية غير تجارية، وكان سليما". وأضاف "صادرت الشرطة الألعاب النارية وقدّمت بلاغا جنائيا ضد مجهولين، إذ لم يتسن بعدُ تحديد هوية فرد أو جماعة بعينها، والتحقيق جارٍ".
كما أوضحت الشرطة، أنه عكس ما تم تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي، "لم تُجرَ أي اعتقالات، وأنه بالفعل قد نُظِّم تجمع مواز، يُمكن اعتباره مظاهرة مضادة، ضمَّ حوالي 40 مشاركا. وبلغ عدد المشاركين في التجمع الذي عُثر فيه على الألعاب النارية حوالي 50 مشاركا، وسارت التجمعات في مجملها دون حوادث تُذكر. كما لحقت أضرار طفيفة بمكبر صوت، وأُشعلت ألعاب نارية تعرف بالقنابل الدخانية، وكان عددها اثنان، من قِبَل مجهولين".
رد الشرطة على هذه الحادثة، يوضح بشكل جلي، أن حتى ما قد يُنشر من فيديوهات على منصات شهيرة، قد يكون مضللا. ففي هذه الحادثة التي تم الحديث فيها على هجوم بقنبلة، اتضح أن الأمر لا يتجاوز ألعابا نارية، ولم يحدد إن كانت أطراف من المظاهرة المقابلة هم من رموها أم أطراف من المظاهرة ذاتها.
معلقون كثر حول الحادثة، رفضوا التصرف الذي يوثقه الشاب في الفيديو، ومنهم المتابع الذي اسمى نفسه محمد و الذي قال في تعليقه على الفيديو الذي نشرته قناة الجزيرة على موقع انستغرام : "أوصلوا المشاكل إلى أوروبا، ولا تنسوا افتعال مشاكل أكثر، فضحتمونا، نحن هنا ضيوف فقط، ولن ألوم الشعب الألماني على كرهم لنا بعد الآن".
معتصم الرفاعي، عضو منتخب في مجلس نورنبرغ للهجرة والاندماج، ومستشار سياسات ومناصرة، اعتبر في حديثه لمهاجر نيوز أن "عملية التضليل التي تمت ممارستها في حالة دوسلدورف، وهي ليست الأولى، عبر تصوير فيديو ونشره وإدعاء إلقاء "قنبلة"، هي بروباغندا تهدف إلى التحريض وإثارة الذعر لمحاولة تبرير حرب الخاسر فيها هم المدنيين في سوريا أكرادا وعربا".
ويرى الرفاعي أن "الحركات والأحزاب اليمينية الشعبوية واليمينية المتطرفة الألمانية تعتمد في سرديتها المعادية للاجئين والمهاجرين على مفهوم "الصراعات المستوردة". هذا التضليل يخدم هذه السردية التي تزعم أن اللاجئين والمهاجرين ينقلون جغرافيا الحروب إلى الشوارع الألمانية، مما يسهم بتصوير السوريين والسوريات كتهديد أمني في العقل الجمعي الألماني. أصحاب هذه الممارسات لا يمثلون شتات يبحث عن الأمان ودولة القانون. سواء بمعرفتهم أو دون معرفتهم، هم يمثلون "أدوات وظيفية" لسلطات أمر واقع مستبدة في سوريا تحاول استعراض نفوذها العابر للحدود".
لكن لحسن حسين رأي آخر، فالخبير في قضايا السياسات الألمانية والهجرة واللجوء، يرى أن في بلدان تواجد هذه الجاليات، حرية وديموقراطية أكبر يجب الاستفادة منها، فإذا كانت القوى المتصارعة لا تستطيع الجلوس إلى طاولة الحوار داخل بلدها لتتفاوض وتتفاهم سلميا، ففي ألمانيا هناك فضاء ديمقراطي يمكن أن يُستفاد منه، وبدل التراشق عليهم أن يتبادلوا الآراء على طاولة نقاش هادئ، فهذه فرصة ذهبية يمكن أن يستفيدوا منها".
كما أكد حسين في حديثه لمهاجر نيوز، أن "العنف لن ينفع المهاجرين وقضاياهم إطلاقا، بل العكس يثير استياء الرأي العام الألماني ضد كل المهاجرين، واليمين المتطرف سيرفع شعارات أكثر حدة لترحيل المهاجرين إلى بلدانهم.
مثل هذه الصراعات الداخلية التي تستقدم من بلدان المهاجرين ليست جديدة حسب حسن حسين، الذي يقول إن "هناك حوادث مضت في سنوات سابقة لليونانيين والأتراك وأساءت طريقة تدبيرها في شوارع ألمانيا للقضية، لذلك أوصي بعدم نقل قضايا المهاجرين الوطنية بطرق مشوهة".
أما الرفاعي، فيرى أنه "في ظل المزاج السياسي الحالي الدافع باتجاه إلغاء حق اللجوء للسورين، تصبح هذه الفيديوهات هدايا مجانية لمؤيدي الترحيل. المحرضون هنا يضرون بمئات الآلاف من السوريين الذين يصبحون ضحايا لآلة التضليل والعنصرية التي تغذيها هذه الأكاذيب". مشيرا إلى أن " ألمانيا تمتلك منظومة قانونية واضحة تجرم التحريض على العنف والكراهية وهو ما يجب الانتباه إليه".
وبحسب بيان صدر عن "ناشطين سوريين وأبناء الجالية السورية في ألمانيا "، وصلت نسخة منه لموقع DW عربية، يرفض البيان ممارسات جرت في مظاهرات مؤيدة للأكراد .
وأكد البيان "احترام للقانون الأساسي الألماني وحرية التعبير وحرية التجمع ضمن حدود القانون، بما يمنع التحريض، والعنف، والإساءة، أو المساس بكرامة الإنسان". وقرر النشطاء التوقف عن تنظيم مظاهرات "حرصاً على السلم الأهلي والنظام العام".
يبقى حق التظاهر في ألمانيا مكفولا للجميع وأيضا الجاليات التي تعيش في البلد، على أساس أن تكون مرخصة وسلميةصورة من: dts-Agentur/picture allianceوأكد النشطاء على أن موقفهم من " قسد هو موقف سياسي وحقوقي مشروع، يستند إلى تقارير موثقة عن انتهاكات لحقوق الإنسان، من بينها الاعتقال التعسفي وتجنيد القاصرين"، مؤكدين أن هذا الموقف لا يستهدف أي مكوّن قومي أو عرقي، ولا سيما الشعب الكردي، بل يقتصر على نقد الممارسات المخالفة للقانون الدولي الإنساني، حسب ما جاء في البيان.
كما طالب البيان "الجهات المختصة في جمهورية ألمانيا الاتحادية بالتحقيق في أي أفعال مخالفة وتطبيق القانون دون تمييز، حفاظاً على السلم الأهلي وسيادة القانون".
ومن جانبه ندد الأمين العام لفرع حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي في ولاية بادن- فورتمبيرغ الألمانية، توبياس فوغت، باقتحام متظاهرين مؤيدين للأكراد مبنى فرع الحزب في الولاية الواقع في مدينة شتوتغارت، وقال "إن اقتحام مكاتبنا والاعتداء على موظفينا تجاوز لخط أحمر".
وأكد المسؤول الحزبي الدعم المطلق لحق التظاهر وحرية التعبير، ولكنه استدرك بالقول: "لا علاقة لأحداث اليوم بأشكال الاحتجاج المشروعة، بل هي بالأحرى هجوم على القيم الأساسية لعيشنا المشترك"، حسب ما نقلت صحيفة "دي فيلت" الألمانية.
وكان عدد من النشطاء المؤيدين للأكراد قد اقتحموا الاثنين (26 كانون الثاني/يناير 2026) مقر الحزب في شتوتغارت. وقال توبياس فوغت إن المجموعة اقتحمت المبنى عنوة، وكان بعض أفرادها ملثمين.
مهاجر نيوز/ ماجدة بوعزة
المصدر:
DW