آخر الأخبار

قصة حب نصراوية

شارك

قصة حب نصراوية
ناجي ظاهر
حرص مسعود الاذربيحاني على الوصول الى محطة الباصات في مركز بلدته الناصرة، اليوم الثلاثاء في الساعة الرابعة وخمسة وخمسين دقيقة. قبل قليل ودّع صديقه الفنان مدعيا ان لديه موعدا لا بد من تنفيذه في الساعة والدقيقة والثانية.. وعندما تمعن فيه صديقه محاولا معرفة ذلك الموعد مع من.. اين، لماذا وكيف؟ هرب بعينيه مداريا لمعة محبة طارت في الهواء واستقرت في عمقهما. انطلق الاذربيجاني في شارع بلدته الرئيسي على اسم البابا بولس السادس، غاذا الخطى، لئلا تفوته رؤية من مال اليها قلبه. وتصعد في الباص المنطلق في مجاهله. في الرابعة والخمسين دقيقة دخل الى مكتبة في زاوية مخفية شيء ما جذبه الى المكتبة. اخذ يتصفح مئات الكتب الموضوعة على الرفوف هناك. رأى كتابا جديدا لم يره في المكتبة من قبل رغم تردده شبه اليومي عليها، دق قلبه بصورة غير مسبوقة.. فقد حمل الكتاب عنوانا مثيرا هو" اسرار الحب"، تناول الكتاب احتضنه كما يحتضن عاشق محبوبته اول مرة. نفح صاحب المكتبة ثمنه، دون ان يسال كعادته عن ثمنه. شيعه صاحب المكتبة بنظرات متسائلة، فيما انطلق هو الى محطة الباصات قرب المشبير لتسرخان.
توقف في المحطة ما زال بينه وبين قدومها، كما حصل يوم الثلاثاء الفائت، خمس دقائق. بعدها سيقضي خمس دقائق اخرى تائها في حدائق ورد حديثه معها، واستماعه لصوتها المطرب الرنان. ثلاثون عاما مضت وهو ينتظر تلك النغمة الصوتية الدافئة. منذ وفاة امه ورحيلها المفاجئ، وهو ينتظر ذلك الصوت الشبيه بصوتها. هذه المرة لن يترك وليفته تصعد درجات الباص لتختفي في المتاهات الممتدة في فضاء الشارع، وانما سيصعد وراءها وسوف يجلس الى جانبها على نفس المقعد، ليربح مزيدا من الحضور في مدينته العاقر.
مضت دقيقة واخرى وهو يحتضن الكتاب ويتعمد وضعه قريبا من قلبه. يوم الثلاثاء الماضي في نفس الوقت، لفتت نظره صبية بدا انها تصغره بسنوات. رأى فيها رمزا نصراويا طالما حلم به. فراح يسترق النظر الى كبّوتها المورد الدافئ. وسط صمت مريع اخترقه فجأة صوت مخملي. يقول.. ان الباص تأخر.. ليس من عادته ان يتأخر. تلفت حوله ليرى الى من توجّه ذلك الصوت، فلم ير احدا في المحطة. "هي تخاطبني انا اذا". قال في نفسه، واطلق صوته تجاهها متعمدا ان يرفقه برنة هجعت في اعماقه.. ربما انتظارا لهذه اللحظة الفاصلة في حياته. قال متذاكيا عادة ما تأتي كل الباصات الا تلك التي ننظره. حينها التفتت اليه، وجرى حديث بينها وبينه. عرف منه انها غريبة مهجرة في البلدة مثله. وانها تحب البلدة مثلما يحبها. خلال دقائق قليلة كانت الباصات تمر وهما الاثنين لاهيان في حديثهما الشائق الطلي. هل صدق جلال الدين الرومي عندما قال ان ما نبحث عنه انما هو يبحث عنّا في الواقع؟ قال في نفسه، فهاله ان يأتيه صوتها: فعلا ما نبحث عنه انما يبحث عنا. هل قرات افكاره؟ هل هي قارئة افكار؟ ام هو من ذكر مقولة الرومي بصوت عال. لم يكن هذا هو المهم. المهم انها ثنت على ما قاله، واعلنت له اهتمامها به.. بالضبط مثلما اعلن هو او.. حاول على الاقل. بينما هما الاثنين يتبادلان الحديث، فوجئ بها ترسل نظرها الى البعيد وتهتف: لقد مر باصي. سأنتظر هنا نصف ساعة اخرى اضافية. نصف الساعة التالية لم تشف غليله وظمأه التاريخي للتحدث الى ساحرته.. ومضت بسرعة البرق، تاركة في روحه اثارا لا تمحوهات الايام، ورنة حب قالت له.. اننا هنا.. تنتظرنا افضل اللحظات فلنكن يقظين. تبادل الاثنان ارقام التلفونات. ومضى كل منهما في طريقه، مفكرا في الاخر. في الساعة الثانية عشرة من تلك الليلة البيضاء، رن خلويه، لتكون هي على الطرف الاخر، وليشنف اذانه بالمزيد من التغريد.. تغريدها البُلبلي المطرب. بعدها انقطع الاتصال بينهما، هي وهو، الى ان حانت ليلة امس. فاتصلت به لتخبره انها ستكون في المحطة غدا الثلاثاء في الساعة ذاتها والدقيقة ذاتها.
تمعن مسعود الاذربيجاني في المحطة لم يكن هناك الا قلة من المنتظرين. ارسل نظره الى ساعته اليدوية، لقد مضت دقيقة ثقيلة تلتها اخرى وبعدها اخرى. "ما اصعب الانتظار"، هجس في نفسه. ان الساعة تقترب بعقاربها القارصة من الموعد المحدد لمجيئها، بل ان موعد باصها يقترب وهي لما تأت بعد. عندها خطرت له خاطرة جهنمية. فتح كتاب "اسرار الحب" وراح يقلب صفحاته مثلما فعل ابطال قصص الحب الكثيرة التي قراها في السابق، مرددا ستاتي.. لن تأتي، واضمر في داخله ان يصل الى الصفحة الاخيرة، فاذا توقفت يد الروليت عندها مرفقة بكلمة لن تأتي او ستاتي، فانه سيرضخ للأمر الواقع.. وسوف يغادر حلمه الجميل محتضنا كتابه وماضيا في طريق كتب عليه ان يمضي فيها، برفقة صديقه الفنان، طوال سنوات عمره الماضية. عندما اقترب من صفحات الكتاب الاخيرة شعر ان يده الروليتة ستصل الى نهايتها مع كلمة لن تأتي، عندها تعمّد ان يُمرّر بعض الصفحات قائلا لنفسه: ستاتي.
عندما اقترب باصها، باص من ايقظت احلامه من سبات طويل.. خشي دائما ان يطول الى نهاية العمر، ضرب يده على راسه. وفي اللحظة ذاتها وصل الى صفحة كتابه الاخيرة لتقول له: لن تأتي. عندها لم يكن امامه من مفر.. سوى محاولة الاتصال بها، صحيح انه وعدها بالا يتصل، وترك لها امر الاتصال به متى تشاء وانّى تريد، خشية وتوقيا وحماية لها مما قد يتسبب فيه اتصاله بها من ازعاج متوقع، الا ان ما حدث الان يجعله يقف على حافة نهاية مرفوضة وغير مقبولة وتحتاج الى مغامرة، تعيد ما تشتت من افكاره الى مواقعها.. سليمة سالمة. كبس على رقم تلفونها. رن ورن ورن ورن. ليأتيه صوت الراد الالي، من تطلبه مشغول الان. بإمكانك الاتصال في وقت تال. وضع تلفونه الى يساره وكتابه الى يمينه، وانغرس في ارض المحطة لا يريم او يتحرك. هي وعدته ولا يمكن ان تخلّ بوعدها، فما الذي منعها من الحضور. انا متأكد من انها ستحضر.. لا يمكن ان يكون ما حصل بيننا مجرد وهم يضاف الى اوهام سابقة قاتلة. قلبي لا يتحمل، فهل يتحمل قلبها؟
هو لا يمكن ان يستسلم.. سينتظر حتى يعجز الانتظار. وراح يتمعن في كل اتجاه. مَن تلك المقبلة من بعيد. من تراها. اتكون هي قد استبدلت لوكها بلك آخر يليق بقصة غرام نصراوية؟ ما اسعدني اذا كان ما افكر فيه صحيحا. مضت تلك المقبلة قريبا منه.. دون ان تفوه بأية كلمة. ومرت امرأة اخرى. لقد حان الان موعد الباص التالي. ماذا ارى.. اني اراها.. ها هي مقبلة تشق حدائق ورد البلدة نحوي.. وها هما هي وهو يعتليان درجات الباص ويجلس كل منهما الى جانب الاخر. ويقلبان صفحات كتاب اسرار الحب.. بشوق ولهفة.. بل ها هي تطبع قبلة ملتهبة على الصفحة الاولى في الكتاب.. ماهرة اياه بشفتين من شهد ولجين.. ووعود تكللها سفرة قصيرة في باص.. بالورود والرياحين. "اين انت يا صديقي الفنان لترى الان ما انا فيه من سعادة وحب". قال وهو يشعر ابتسامة بعرض العالم.. تفترش شفتي الشارع.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا