تتواصل التهديدات الأمريكية ضد إيران، رغم أن الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب أعلنت قبل نحو أسبوعين أنها لا تنوي مهاجمة إيران، بعد ادعائها أن النظام الإيراني استجاب لمطالبها وتوقف عن قتل واستهداف المتظاهرين ضد النظام، على خلفية الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت مطلع عام 2026 واستمرت قرابة عشرة أيام.
ولكن هذا الموقف لم يدم طويلًا. ففي الأسبوع الثالث من شهر يناير، بدأت أصوات متصاعدة في الإعلام الأمريكي والإسرائيلي، وداخل أروقة الإدارة الأمريكية نفسها، تطالب بتنفيذ عملية عسكرية واسعة ضد النظام الإيراني، لا تهدف فقط إلى إضعافه، بل إلى القضاء عليه بالكامل.
وبالفعل، بدأت تحركات عسكرية أمريكية ملحوظة، شملت حشودا واسع النطاق تحرك من المحيط الهادي الى الخليج الفارسي، وتمثل بتحريك مدمرات وحاملات طائرات امريكيا، وسط اتهامات مباشرة للنظام الإيراني وتهيئة الرأي العام لاحتمال توجيه ضربة عسكرية قاضية ضد إيران. وفي هذه الايام المليئة بالتوتر، بات الجميع يترقب: هل ستنفذ الولايات المتحدة الضربة؟ ومتى؟ وكيف سيكون الدور الإسرائيلي؟
في هذا السياق، زار قائد القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" الجنيرال بريد كوبر إسرائيل يوم السبت 25 يناير، حيث عقد اجتماعات مع قيادة الجيش الإسرائيلي، وقائد سلاح الجو الحالي والقادم، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، وعدد من المسؤولين الأمنيين. وجرى الاتفاق من حيث المبدأ على توجيه ضربة أمريكية لإيران، دون الإعلان عن توقيت محدد.
ورغم ذلك، أشارت تقديرات عسكرية سابقة إلى أن الضربة لم تُنفّذ حتى الآن بسبب عدم الجاهزية الكاملة، سواء في الجانب الإسرائيلي أو في القواعد الأمريكية في الخليج، خاصة بعد سحب أو إعادة تموضع القوات الأمريكية من دول مثل الإمارات، الكويت، والبحرين وقطر. إلا أن المعطيات الحالية تشير إلى أن هذا الانسحاب لم يكن تراجعًا، بل إعادة انتشار مدروسة، ترافقت مع وصول قطع بحرية أمريكية إضافية إلى المنطقة كحاملة الطائرات لينكولين.
اما السؤال المركزي الآن فهو كم من الوقت يمكن أن تستمر هذه الضربة إن وقعت؟ وهل ستكون عملية محدودة أم حربًا مفتوحة؟ ومن الواضح أن إيران هذه المرة ليست أمام هجوم مفاجئ كما حدث في يونيو الماضي. فهي الان في حالة استعداد أعلى، وقد وسّعت من جاهزيتها العسكرية. لأي ضربة أمريكية، حتى لو كانت قوية، فلن تمر دون رد، وقد تشمل استهداف مصالح أمريكية، وإسرائيلية، وحتى خليجية، بما في ذلك المنشآت النفطية، وهو ما قد يؤدي إلى كارثة اقتصادية عالمية وارتفاع حاد في أسعار الطاقة.
والأخطر من ذلك هو عامل الزمن. فإذا تحولت المواجهة إلى حرب طويلة تمتد لأشهر أو حتى أكثر من عام بين القوات الامريكية وايران ، فإن الولايات المتحدة قد تجد نفسها أمام استنزاف عسكري وسياسي خطير، ينعكس سلبًا على مكانتها الدولية، ويضعف نفوذها في الشرق الأوسط. كما أن العديد من الدول العربية الحليفة لامريكا في المنطقة قد تعيد النظر في قبول الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها، خوفًا من تداعيات داخلية تهدد استقرار أنظمتها.
وفي تقديري، هناك احتمالان خطيران أمام أي ضربة أمريكية لإيران: أن تستوعب إيران الضربة وتحوّلها إلى حرب استنزاف طويلة، ما يشكّل فشلًا استراتيجيًا لإدارة ترامب. او أن تؤدي الحرب إلى إعادة رسم خريطة الوجود الأمني الأمريكي في الشرق الأوسط، وربما إلى تراجع كبير في النفوذ الأمريكي إقليميًا.
والعالم، في هذه الحالة، لن يعود كما كان. فالتجارة العالمية ستتضرر، والاقتصاد الدولي سيتأثر، وستدخل المنطقة في حالة فوضى سياسية عسكرية واجتماعية غير مسبوقة. والسؤال المفتوح يبقى:
هل تدرك الإدارة الأمريكية حجم هذه التداعيات؟ أم أنها ما زالت تفكر بعقلية “العالم الاستعماري القديم” الذي يفترض أن القوة العسكرية وحدها كفيلة بفرض الخضوع؟
ولكن هذه المرة ملامح المنطقة والاقليم بات بالفعل متغيرة ومختلفة الى اقصى الحدود.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
المصدر:
كل العرب