لم يكن الإضراب الشامل الذي انطلق من مدينة سخنين 22/1/2026 حدثًا عابرًا أو ردّة فعل آنية على جريمة جديدة تضاف إلى سجل الدم المفتوح في المجتمع العربي، بل شكّل نقطة تحوّل مركزية واستراتيجية في مسار المواجهة مع العنف والجريمة المنظمة، ومع السياسة الرسمية الممنهجة لهذه الحكومة اليمينية المتطرفة التي تغذّيها، وتستثمر فيها، وتدير ظهرها لضحاياها. فما بدأ في سخنين سرعان ما تمدّد ليشمل عشرات القرى والمدن العربية، في تعبير واضح عن نفاد الصبر، وعن انتقال المجتمع العربي من موقع الضحية الصامتة إلى موقع الفعل الجماعي المنظم.
ان لسخنين رمزية خاصة في الوعي الوطني الفلسطيني في الداخل. فهي المدينة التي أشعلت شرارة يوم الأرض عام 1976، الحدث المفصلي الذي أعاد تعريف العلاقة بين الفلسطينيين في الداخل والدولة، ورسّخ مفهوم الهوية الوطنية في مواجهة سياسات المصادرة والإقصاء. واليوم، تعود سخنين لتقود مشهدًا جديدًا، لا يقل أهمية تاريخية، يتمحور حول الحق في الحياة، والأمن، والكرامة الإنسانية، في مواجهة جرائم لم تعد فردية أو هامشية، بل تحولت إلى ظاهرة بنيوية تُدار في ظل غياب الدولة، بل وبتواطؤها.
فالإضراب الشامل الذي دعت إليه اللجان الشعبية والذي بدأ من سخنين لمكافحة العنف والجريمة لم يكن موجّهًا فقط ضد العصابات الإجرامية، بل ضد منظومة كاملة: حكومة إسرائيل، وزارة الأمن القومي، الشرطة، والمؤسسة السياسية والإعلامية الإسرائيلية، التي اختارت أن تتعامل مع الدم العربي بلا مبالاة، وأن تحصر الجريمة داخل “الحيز العربي” كأنه شأن داخلي، أو قدر محتوم، أو أداة ضبط اجتماعي غير معلن.
فبعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ازداد هذا النهج وضوحًا. فقد بدأت الحكومة تفكر بالمجتمع العربي ككتلة يجب تحييدها، محاصرتها اقتصاديًا واجتماعيًا، وتجفيف مواردها، في الوقت الذي تُضخ فيه عشرات المليارات من الشواقل لإعادة توطين اليهود في الشمال والجنوب. فأكثر من 14 مليار شيقل رُصدت لهذه المناطق، بينما القرى والمدن العربية في الجليل والنقب تُترك لمصيرها: بلا دعم، بلا خطط، بلا بنى تحتية، وبلا أمن. ويعتبرهذا التمييز الفجّ ليس صدفة، بل سياسة ممنهجة تدفع الشباب إلى العوز، والفقر، ثم إلى أحضان الجريمة.
وهنا تبرز أهمية اللجان الشعبيةفي القرى والمدن العربية فهي ليست بديلًا عن الدولة، لكنها صرخة تقول إن المجتمع العربي لن ينتظر موته بصمت. وهذه اللجان أعادت الاعتبار لفكرة التنظيم الشعبي، والتكافل المجتمعي، والمسؤولية الجماعية. ان الإضراب الشامل هو بمثابة رسالة قوية لا يمكن الاستمرار في الحياة كالمعتاد بينما القتل يصبح روتينًا يوميًا، والدم يُختزل إلى خبر عابر في الإعلام العبري.
اما تأثير هذا الإضراب لا يُقاس فقط بعدد المحال المغلقة أو المدارس التي علّقت الدراسة، بل بما أحدثه من كسر لحالة التطبيع مع العنف والجريمة المنظمة حيث أعاد الجريمة إلى مركز النقاش العام، وفرضها كقضية أولى، لا يمكن الهروب منها بالشعارات أو البيانات الفارغة. كما وضع أعضاء الكنيست العرب، والقيادات السياسية، أمام اختبار حقيقي هو إ الانخراط الجاد في مشروع نضالي شعبي، أو البقاء أسرى المسارات البرلمانية العقيمة التي أثبتت فشلها.
اما من جهة الإعلام العبري، فواصل دوره التقليدي كالتعتيم، التبسيط، أو التواطؤ. لكن قوة الإضراب كسرت هذا الجدار، وفرضت واقعًا جديدًا، مفاده أن استمرار الجريمة في المجتمع العربي لن يبقى محصورًا جغرافيًا أو اجتماعيًا، وأن تفكك النسيج المجتمعي العربي سينعكس، عاجلًا أم آجلًا، وسيؤثر على مفهوم “السيادة” الإسرائيلية، في الشمال والجنوب معًا.
وما جرى في سخنين ليس نهاية الطريق، بل بدايتها وفي المستقبل القريب، سنشهد شكلين من التحرك: الأول، تعميق العمل الشعبي المنظم، وبناء أطر محلية واسعة قادرة على الضغط والمتابعة والمساءلة. والثاني، تصعيد الاحتجاجات والإضرابات، حتى فرض حلول جذرية، لا شكلية، لقضية العنف والجريمة.
فان سخنين كانت، وستبقى، في الصدارة. لأنها فهمت، مرة أخرى، أن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الصمت لم يعد خيارًا، وأن المعركة على الحياة هي معركة وجود، ومستقبل،
المصدر:
كل العرب