من يتابع تصريحات إيتمار بن غفير يدرك أن الرجل لا يبحث عن الحقيقة ولا عن الأمن، بل عن شماعة يعلّق عليها فشله. فبدل أن يواجه الواقع المرّ الذي يكشف عجز وزارته عن كبح الجريمة في المجتمع العربي، يختار الطريق الأسهل: التحريض، التشويه، وصناعة أعداء وهميين. هجومه الأخير على رؤساء السلطات المحلية العربية، وادعاؤه بأنهم “يقفون إلى جانب المنظمات الإجرامية”، ليس سوى محاولة يائسة لتغطية فشله الذريع، ومحاولة لصرف الأنظار عن حقيقة أن سياساته لم تنتج سوى المزيد من الدم والفوضى.
الإضراب الذي يعمّ البلدات العربية لم يكن خطوة سياسية ضد الحكومة، بل صرخة مجتمع يرفض أن يتحول إلى ساحة مفتوحة للقتل. لكن بن غفير، بعقليته العنصرية والفاشية، يرفض الاعتراف بأن المواطنين العرب يستحقون الأمان، وأنهم يطالبون بحق بوجود شرطة مهنية تحميهم بدل أن تتعامل معهم كأعداء. هو لا يرى في هذا المجتمع مواطنين، بل كتلة يجب إخضاعها، ولذلك يغضب حين يراها موحّدة، واعية، ومطالِبة بحقوقها.
ما أثار حفيظته حقًا هو مشهد الرؤساء العرب وهم يتجنّدون مع الحراك الشعبي لإنجاح الإضراب. هذا الاصطفاف الواسع بين القيادة والجمهور أسقط روايته التي يحاول من خلالها تصوير القيادات العربية كجزء من المشكلة. وحدة المجتمع العربي تُفشل مشروعه القائم على التحريض والتقسيم، ولذلك يهاجمها بشراسة، محاولًا تشويه كل من يرفع صوته مطالبًا بالأمن والعدالة.
رؤساء السلطات المحلية يقفون في الصف الأول في مواجهة الجريمة: يتعاملون مع العائلات، يحمون المؤسسات، يضغطون على الشرطة، ويقودون مبادرات مجتمعية. اتهامهم بالتماهي مع الجريمة ليس فقط كذبًا فجًا، بل اعتداءً على من يحاولون حماية مجتمعهم في ظل غياب الدولة. أما الدولة التي يمثلها بن غفير، فقد أثبتت مرارًا أنها لا ترى في مكافحة الجريمة أولوية، وأنها تفضّل إدارة الأزمة بدل حلّها، وكأن الدم العربي لا يستحق الجهد ولا يستحق الحياة.
الإضراب هو رسالة واضحة: نريد حياة آمنة، نريد شرطة تعمل، نريد دولة تعاملنا كمواطنين. لكن بن غفير اختار أن يقرأ هذه الرسالة كتهديد، وأن يرد عليها بالتحريض بدل الإصغاء. وهذا بحد ذاته دليل على أن مشكلته ليست مع الجريمة، بل مع المجتمع العربي نفسه.
المعركة ضد الجريمة تحتاج إلى مبادرات حقيقية، وإلى رؤية مهنية، وإلى إرادة سياسية صادقة. أما من يهاجم من يقفون في الخط الأمامي، ويشيطن كل صوت يطالب بالأمان، فهو لا يحارب الجريمة، بل يحارب المجتمع. وهذا هو الفشل بعينه، مهما حاول صاحبه تغطيته بالصراخ والاتهامات.
المصدر:
كل العرب