آخر الأخبار

سخنين تعلن الإضراب… والجماهير تصنع لحظة قوة عربية جديدة

شارك

يشهد مجتمعنا العربي واحدة من أكثر اللحظات صدقًا وعمقًا في تاريخه الحديث، لحظة تعيد فيها الجماهير تعريف دورها ومكانتها في مواجهة الجريمة التي باتت تهدد كل بيت وكل شارع. ما حدث في سخنين، حين أعلنت الإضراب احتجاجًا على تفاقم الجريمة المنظمة، لم يكن مجرد خطوة احتجاجية عابرة، بل كان فعلًا جماهيريًا واعيًا، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن حماية المجتمع تبدأ من الناس أنفسهم، وأن القوة الحقيقية تكمن في وحدة الشارع لا في بيانات المؤسسات.

إعلان الإضراب في سخنين لم يكن قرارًا فوقيًا، بل جاء من نبض الناس، من خوفهم على مستقبل أبنائهم، ومن شعورهم بأن الجريمة لم تعد حدثًا استثنائيًا، بل خطرًا يوميًا يقترب من الجميع. حين تغلق المحال التجارية أبوابها، وتتوقف الحركة، ويقف الناس صفًا واحدًا، فهذا يعني أن المجتمع قرر أن يرفع صوته بطريقة لا يمكن تجاهلها. الإضراب هنا لم يكن مجرد وسيلة ضغط، بل كان إعلانًا بأن الجماهير لن تقبل أن تُدار حياتها تحت ظل الخوف.

قوة هذا الحراك لم تكن في الشعارات، بل في الناس أنفسهم. في أصحاب المصالح الذين ضحّوا بيوم رزقهم من أجل موقف، في الأهالي الذين خرجوا إلى الشوارع، في الطلاب الذين شعروا أن مستقبلهم على المحك، وفي الإجماع الشعبي الذي جعل البلدية تعيد حساباتها وتنضم إلى الإضراب بعد أن رأت أن الشارع سبقها بخطوات. هذا التحول يؤكد أن الجماهير، حين تتوحد، تصبح هي المرجعية الحقيقية، وهي التي تحدد اتجاه البوصلة.

امتداد الحراك من سخنين إلى عرابة، دير حنا، مجد الكروم، أم الفحم وشفاعمرو لم يكن صدفة، بل كان نتيجة طبيعية لقوة الرسالة التي خرجت من سخنين. الناس في هذه البلدات أدركوا أن الجريمة لا تعرف حدودًا، وأن مواجهتها لا يمكن أن تكون محلية أو فردية. التضامن بين البلدات هو رأس المال الحقيقي الذي يمكن البناء عليه، وهو القوة التي تخشاها العصابات أكثر من أي شيء آخر. حين تتوحد المدن والقرى، تتراجع قدرة الإجرام على التغلغل، ويصبح المجتمع نفسه جدارًا واقيًا.

في المقابل، يبرز غياب بعض القيادات والمؤسسات التمثيلية عن المشهد، وكأنها تراقب من بعيد بدل أن تكون في قلب الحدث. هذا الغياب يطرح أسئلة حول دورها وقدرتها على مواكبة نبض الشارع. لكن الجماهير، مرة أخرى، أثبتت أنها قادرة على ملء الفراغ، وأنها حين تتحرك، تفرض على الجميع أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم. الشارع اليوم هو الذي يقود، وهو الذي يحدد الإيقاع، وهو الذي يفرض على المؤسسات أن تلتحق به لا أن تقوده من بعيد.

ما يجري اليوم ليس مجرد احتجاج، بل بداية وعي جديد. الناس تقول بوضوح إنها لن تسمح للجريمة أن تسرق مستقبلها، وإنها مستعدة للوقوف معًا، كتفًا إلى كتف، لحماية مدنها. هذا الحراك هو رسالة أمل، ورسالة قوة، ورسالة بأن مجتمعنا ما زال قادرًا على النهوض حين يستدعيه الواجب. والأهم أنه يثبت أن الجماهير، حين تتوحد، تصبح أقوى من كل التحديات.

إن ما بدأ في سخنين ليس حدثًا محليًا، بل نقطة تحول. وإذا استمرت الجماهير في هذا الطريق، فإنها ستعيد رسم المشهد كله، وستفرض واقعًا جديدًا عنوانه: الأمن حق، والكرامة حق، والجماهير هي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا