في تصريحات خاصة لموقع بكرا، قال المحلل السياسي محمد دراوشة إن إعلان واشنطن تشكيل اللجنة التنفيذية التابعة لما سمّته “مجلس السلام” في غزة يشير إلى انتقال أمريكي فعلي نحو ما يمكن وصفه بالمرحلة الثانية في إدارة ملف غزة، مرحلة ما بعد الحرب، لكن من دون إشراك الطرفين الأكثر التصاقًا بالواقع على الأرض.
وأضاف دراوشة أن التوتر الإسرائيلي ليس تفصيلاً بروتوكوليًا، لأن تل أبيب اعتادت أن تكون شريكًا إلزاميًا في أي ترتيبات تخص غزة، أمنًا وسياسة. وقال إن اتخاذ واشنطن قرارًا بهذا الحجم دون تنسيق مسبق يُقرأ في إسرائيل كرسالة سياسية مباشرة مفادها أن الإدارة الأمريكية مستعدة لفرض ترتيبات جديدة حتى لو تعارضت مع الرؤية الإسرائيلية. وأوضح أن إسرائيل ترى في ذلك محاولة لإعادة هندسة غزة من زاوية أمريكية تتجاهل حساسياتها الأمنية وتُقلّص قدرتها على التحكم بمسار ما بعد الحرب.
وحول الاستياء الفلسطيني من تغييبهم عن القرار، قال دراوشة إن المفارقة تكشف جوهر المقاربة الأمريكية الحالية. إسرائيل تحتج لأنها لم تُستشر، بينما الفلسطينيون يحتجون لأنهم غُيّبوا أصلًا ولم يُمثَّلوا. واعتبر أن الجمع بين الموقفين يوضح أن واشنطن تتعامل مع غزة كملف إداري أمني يحتاج إلى ترتيبات سريعة، لا كقضية سياسية لها أصحاب شرعيون وحقوق وتمثيل. وأضاف أن هذه المقاربة تستهدف استقرارًا مؤقتًا أكثر مما تستهدف تأسيس شرعية محلية، لذلك تجاوزت القوة المسيطرة على الأرض، وتجاوزت في الوقت نفسه السكان الذين يعيشون الواقع ويدفعون ثمنه.
مشروع فرض من الخارج
وأكد دراوشة أن واشنطن تبدو وكأنها تعمل بمنطق فرض نموذج إدارة جديد دون انتظار موافقة أحد، لأن أي توافق إسرائيلي فلسطيني قد لا يأتي أصلًا، ولأن الوقت بالنسبة لها عامل ضغط. لكنه شدد على أن هذا النهج يتجاهل حقيقة أساسية: أي مشروع يُفرض من الخارج دون قبول الطرفين يبقى مهددًا بالاهتزاز منذ اليوم الأول.
وحذّر دراوشة من مخاطر تغييب إسرائيل والفلسطينيين معًا. وقال إن الخطر الأول يتمثل في قدرة إسرائيل على عرقلة التنفيذ على الأرض، والخطر الثاني في احتمال رفض الفلسطينيين الاعتراف بالبنى الجديدة أو التعامل معها كمرجعية. وأضاف أن الخطر الأعمق يتمثل في هشاشة أي ترتيبات تعيش على الدعم الدولي وحده، ما يجعلها قابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني أو سياسي. وأوضح أن واشنطن قد تنجح في إنتاج شكل إداري، لكنها لن تستطيع فرض شرعية سياسية.
وفي تحليل للوضع الراهن، اعتبر دراوشة أن المشهد يتجه نحو إدارة انتقالية تُبنى بأدوات خارجية تحت ضغط الوقت، مقابل فراغ سياسي محلي وصراع على الشرعية. وقال إن الفجوة تتسع بين من يملك القدرة العسكرية على الأرض وبين من يملك الحق السياسي والتمثيلي، بينما تحاول واشنطن القفز فوق هذه الفجوة عبر مؤسسات جديدة. وأضاف أن هذه القفزة قد تُنتج ترتيبًا مؤقتًا، لكنها لا تُنهي جذور الأزمة، لأن غزة لا تحتاج فقط إلى إدارة خدمات أو آليات ضبط، بل إلى إطار سياسي يضمن الاستقرار ويمنع الانفجار المتكرر.
وختم دراوشة بالقول إن نجاح المرحلة الثانية يتطلب شراكة حقيقية لا شكلية. وأوضح أنه لا يمكن تجاوز إسرائيل لأنها تمتلك مفاتيح الحركة على الأرض، ولا يمكن تجاوز الفلسطينيين لأنهم أصحاب الأرض والشرعية، وأي حل يتجاهل أحدهما ناقص، وأي حل يتجاهلهما معًا مغامرة. وأضاف أن واشنطن ستعيد حساباتها إذا شعرت أن خطتها تتعثر، لأنها براغماتية، لكن السؤال هو متى ستقرر ذلك، لأن التأخير يرفع كلفة التصحيح ويُعمّق أزمة الثقة.
المصدر:
بكرا