تعاني إسرائيل من تصاعدٍ لافت في حالات الانتحار واضطراب ما بعد الصدمة في صفوف الجيش، في أعقاب الحرب التي شنتها لمدة عامين على قطاع غزة، بحسب ما نقلت وكالة "رويترز" اليوم الجمعة.
وتشير تقارير حديثة صادرة عن وزارة الأمن الإسرائيلية ومقدّمي خدمات صحية إلى أزمة متفاقمة في الصحة النفسية بين الجنود، مع استمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة ولبنان، وتزايد التوتر مع إيران.
وقد اتسع نطاق الحرب سريعًا ليشمل الجبهة اللبنانية، حيث تبادلت إسرائيل مع حزب الله إطلاق النار عبر الحدود، فيما جرى نشر مئات الآلاف من الجنود وقوات الاحتياط على الجبهتين، قبيل الحرب الواسعة التي شنتها إسرائيل على لبنان في سبتمبر/ أيلول 2024.
وقتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 71 ألف فلسطيني في غزة ونحو 4400 شخص في جنوب لبنان، بينما أعلنت تل أبيب مقتل أكثر من 1100 جندي منذ هجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وأسفرت الحرب عن تدمير معظم القطاع، حيث يعاني نحو مليوني نسمة من نقصٍ حاد في المأوى والغذاء والرعاية الصحية.
حالات إحباط واكتئاب
وتظهر دراسات إسرائيلية أن الحرب أثرت بعمق في الصحة النفسية للجنود الذيين خاضوا الحرب، كما يعاني بعض الجنود الذين تعرضوا لهجوم السابع من أكتوبر من اضطرابات نفسية حادة.
وأفادت وزارة الأمن الإسرائيلية بتسجيل زيادة تقارب 40% في حالات اضطراب ما بعد الصدمة بين الجنود منذ سبتمبر 2023، مع توقعات بارتفاعها إلى 180% بحلول عام 2028.
وأضافت الوزارة أن 60% من بين 22300 جندي وعسكري يتلقون العلاج من إصابات خلال الحرب يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة.
ووسعت الوزارة نطاق الرعاية النفسية ورفعت المخصصات المالية، مشيرة إلى زيادة بنحو 50% في استخدام العلاجات البديلة.
كما ذكرت شركة "مكابي"، ثاني أكبر مزود للرعاية الصحية في إسرائيل، في تقريرها السنوي لعام 2025 أن 39% من العسكريين الذين يتلقون العلاج طلبوا دعمًا نفسيًا، بينما عبّر 26% عن مخاوف مرتبطة بالاكتئاب.
واستقبلت منظمات إسرائيلية عدة، بينها "هاغال شيلي" غير الحكومية التي تعتمد ركوب الأمواج أسلوبًا علاجيًا، مئات الجنود النظاميين والاحتياط المصابين باضطراب ما بعد الصدمة، فيما لجأ بعض الجنود السابقين إلى اقتناء كلاب مدرّبة للدعم النفسي والعاطفي.
وقال الطبيب النفسي رونين سيدي، المشرف على أبحاث المحاربين القدامى في مركز هعيمك الطبي شمال إسرائيل، إن الجنود يواجهون مصدرين رئيسيين للصدمة: الأول مرتبط بتجارب الخوف الشديد والخوف من الموت في غزة ولبنان أو داخل إسرائيل، والثاني بما يُعرف بالضرر المعنوي، أي الشعور بالذنب الناتج عن أفعال ارتُكبت خلال القتال، مضيفًا أن "العيش مع شعور أنك قتلت أبرياء شعور صعب للغاية لأنه لا يمكن تصحيحه"، حسب قوله.
حالات انتحار متزايدة في الجيش الإسرائيلي
ويتوجب على الجنود الراغبين في الحصول على دعم حكومي للصحة النفسية المثول أمام لجنة تقييم تابعة لوزارة الأمن لتحديد شدة حالتهم، وهي عملية قد تستغرق شهورًا، ما قد يثني البعض عن طلب المساعدة. وأكدت الوزارة أنها تقدم دعمًا فوريًا منذ بدء التقييم، وأنها كثفت هذه الجهود منذ اندلاع الحرب.
وخلصت لجنة في الكنيست في أكتوبر إلى أن 279 جنديًا حاولوا الانتحار بين يناير/ كانون الثاني 2024 ويوليو/ تموز 2025، بزيادة حادة مقارنة بالسنوات السابقة، مشيرة إلى أن الجنود المقاتلين شكّلوا 78% من حالات الانتحار في إسرائيل عام 2024.
وحذر سيدي من أن خطر الانتحار أو إيذاء النفس يتزايد في حال عدم علاج الصدمة، لافتًا إلى أن مؤسسات الصحة النفسية باتت مكتظة، وأن كثيرين لا يحصلون على العلاج أو لا يدركون أن معاناتهم مرتبطة بتجاربهم القتالية.
ولا تزال احتمالات مشاركة الجنود في القتال مرتفعة، إذ ينتشر الجيش الإسرائيلي في أكثر من نصف قطاع غزة ويواصل عملياته رغم إعلان وقف إطلاق النار، مستمرًا في خروقات الهدنة التي دعمتها الولايات المتحدة في أكتوبر الماضي.
وقتل جنود الجيش الإسرائيلي خلال الهدنة أكثر من 440 فلسطينيًا، فيما قتل ثلاثة جنود إسرائيليين. كما يحتفظ الجيش الإسرائيلي بوجود في جنوب لبنان، فيما يواصل الجيش اللبناني نزع سلاح حزب الله بموجب اتفاق منفصل، وفي سوريا تسيطر القوات الإسرائيلية على نقاط من الجنوب منذ الإطاحة ببشار الأسد.
ومع احتدام التوتر مع إيران وتهديدات واشنطن بالتدخل، تجد إسرائيل نفسها أيضًا أمام احتمال مواجهة جديدة مع طهران، بعد حرب استمرت 12 يومًا بين الطرفين في يونيو/ حزيران 2025، ما يزيد الضغوط النفسية على جنودها في ظل صراع مفتوح متعدد الجبهات.
المصدر:
كل العرب