آخر الأخبار

ترامب بين الانهيار الداخلي وتدويل الأزمات/ بقلم: خالد خليفة 

شارك

تخوض الولايات المتحدة اليوم واحدة من أكثر مراحلها الداخلية تعقيدًا منذ عقود، في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة، باتت تهدد استقرارها الداخلي وتنعكس بشكل مباشر على سلوكها الخارجي. فبدلا من معالجة هذه الأزمات من جذورها، اختارت تصديرها إلى الخارج عبر سياسة هجومية قائمة على العقوبات والتهديد واستخدام القوة، ما ينذر بتحويل التوترات الإقليمية إلى أزمات دولية مفتوحة وكل ذلك تحت قيادة رئيسها دونالد ترامب.

فعلى الصعيد الداخلي، تشهد الولايات المتحدة تآكلًا متسارعًا في الطبقة الوسطى، التي شكّلت تاريخيًا العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فقد ارتفعت كلفة المعيشة بشكل حاد، في مقابل تراجع الأجور الحقيقية، وانهيار شبه كامل في نظام الرعاية الصحية والتأمين، حيث بات ملايين الأمريكيين في هذه الحقبة عاجزين عن الحصول على علاج مناسب. ويضاف إلى ذلك قانون الهجرة الجديد، الذي يستهدف ملايين، وربما عشرات الملايين، من المهاجرين والمقيمين، الامر الذي يخلق حالة توتر اجتماعي غير مسبوقة في الولايات المختلفة.

وفي الوقت ذاته، تتصاعد الانقسامات العرقية والسياسية داخل المجتمع الأمريكي، وتتعمق حالة عدم الرضا عن الإدارة الحالية، ليس فقط في الشارع الأمريكي، بل داخل مؤسسات الحكم نفسها. فالخلافات داخل مجلس الأمن القومي، وبين أجنحة النظام السياسي، باتت علنية، كما أن حالة التململ لم تعد مقتصرة على الحزب الديمقراطي، بل امتدت إلى داخل الحزب الجمهوري ذاته. ويعتقد كثير من المراقبين أن هذه الأوضاع قد تنعكس بشكل مباشر على الانتخابات النصفية المقبلة بالكونغرس في نوفمبر2026، حيث تتزايد التوقعات بفشل ترامب في حصوله عل اغلبية جمهورية.

رغم ذلك، لا تبدو إيران القضية الأولى أو الوحيدة في أجندة ترامب. فإدارته تفتح في الوقت نفسه ملفات متعددة مع كندا، وغرينلاند، ودول أمريكا اللاتينية مثل كوبا وكولومبيا والبرازيل وتشيلي، في محاولة منه لإعادة وفرض الهيمنة الأمريكية على ما يُسمى “البوابة الخلفية” للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية. ويعتبر هذا التوسع في دوائر الصراع حيث يعكس ذهنية سياسية ترى في الضغط والابتزاز والتهديد وسيلة لتعويض التراجع الداخلي.

اما اقتصاديًا، فان الولايات المتحدة تواجه أزمة ديون متفاقمة، والتي تجاوزت الدين القومي حاجز أربعة تريليونات دولار تدفع جزءا كبيرا للصين وتمول جيشه، وفي ظل ميزانيات غير واقعية وعجز مالي متزايد. وبدلا من البحث عن حلول بنيوية، تتجه الإدارة إلى منطق “مصادرة الثروات” عبر السيطرة على موارد الدول الأخرى كفنزويلا. وفي هذا السياق، تبرز تقارير عن اجتماعات عقدها ترامب مع أكثر من عشرين رئيسًا لشركات نفط كبرى، تحدث فيها صراحة عن إعادة رسم خريطة السيطرة على مصادر الطاقة العالمية، في مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ نماذج الإمبريالية الكلاسيكية.

وضمن هذا الإطار، تأتي سياسة الحصار والعقوبات على إيران كجزء من استراتيجية أوسع لفرض الإرادة الامريكية بالتهديد وبقوة السلاح. فقد أعلن ترامب هذا الأسبوع في مطلع عام 2026 وبوضوح أن أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران ستواجه عقوبات جمركية قاسية، تصل إلى أكثر من 25%، وهو ما يشكل عمليًا حصارًا اقتصاديًا شاملًا قد يتطور في أي لحظة إلى مواجهة عسكرية. ان هذه السياسة لا تستهدف إيران وحدها، بل تهدد الاستقرار الامني العالمي، وتدفع الدول إلى البحث عن بدائل للنظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة.

اما خطورة هذه المقاربة فتكمن بأنها لا تعالج جذور الأزمات، بل تنقلها من الداخل الأمريكي إلى الساحة الدولية. فبدل احتواء التوترات، تعمل إدارة ترامب على توسيعها، ما يجعل الولايات المتحدة نفسها مركزًا لإنتاج الأزمات وليس حلها. والتاريخ يؤكد أن التجارب الإمبريالية، مهما بلغت قوتها، لا تدوم طويلًا، وغالبًا ما تنتهي بانهيارات داخلية قبل الهزائم الخارجية.

لذا فيمكن القول إن سياسات دونالد ترامب لا تقود فقط إلى مواجهة محتملة مع إيران، بل تفتح الباب أمام أزمة دولية أوسع، تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية والسياسية والعسكرية. ومع استمرار هذا النهج، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة من عدم الاستقرار العميق، يكون فيها الثمن الأكبر من نصيب الشعوب، فبينما تتآكل مكانة الولايات المتحدة نفسها كنظام قادر على القيادة أو حتى الضبط والسيطرة على الأمور والتحركات الدولية التي كانت معتادة عليها.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا