بين سيدني والنقب: لجنة التحقيق كاختبار للسيادة
خالد خليفة
لم يكن قرار رئيس وزراء أستراليا أنطوني ألبانيزي بإقامة لجنة تحقيق رسمية في الهجوم الذي استهدف أفرادًا من الجالية اليهودية خلال احتفالات عيد الحانوكا في مدينة سيدني قرارًا مفاجئًا أو عابرًا. بل جاء هذا القرار في سياق سياسي وأخلاقي واضح، يؤكد أن مسؤولية الدولة الأولى هي حماية مواطنيها، ومساءلة نفسها قبل مساءلة الآخرين. فالهجوم الذي أسفر عن مقتل عدد من المواطنين، بينهم يهود أستراليون، هزّ الرأي العام، وفرض على الحكومة الأسترالية أن تقدّم إجابات شفافة حول التقصير الأمني، وأن تفحص جذور العنف وأسبابه، مهما كانت النتائج السياسية محرجة.
في المقابل، تبرز المقارنة الصارخة مع ما يجري في إسرائيل خلال السنوات الثلاث الأخيرة، حيث قُتل أكثر من 900 مواطن عربي في جرائم قتل متفشية داخل المجتمع العربي في اسرائيل. ان هذه الأرقام غير المسبوقة لم تدفع الحكومة الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، إلى إقامة لجنة تحقيق رسمية شاملة تفحص تقصير الشرطة، وسياسات وزارة الأمن القومي، ومسؤولية الحكومة ككل. بل على العكس، يجرى التعامل مع هذه الجرائم وكأنها شأن هامشي أو “مشكلة داخلية” للمجتمع العربي، لا تمس جوهر السيادة ولا تهدد استقرار الدولة.
هنا تبرز مسؤولية وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي يتبنى خطابًا تصعيديًا تجاه المواطنين العرب، وخصوصًا البدو في النقب، ويعتبر فيها الحوكمة “السيادة” على أنها قبضة أمنية وانتقائية، لا حكم قانون ومساواة. لكن السؤال الجوهري ليس فقط ما إذا كان بن غفير يتصرف بشكل فردي، بل ما إذا كانت سياساته تحظى بدعم كامل من الحكومة ورئيسها. الواقع يشير إلى أن نتنياهو لا يضع حدودًا واضحة لهذا الأداء، بل يوفّر له غطاءً سياسيًا، سواء بالصمت أو بالدعم الضمني، ما يجعل الأمر سياسة حكومية لا اجتهادًا شخصيًا وأكبر دليل على ذلك كانت زيارته الى النقب بصحبة بن غفير ووزير الدفاع ليعطوا الشرعية واولويات السياسة الاسرائيلية بكل ما يتعلق اتجاه المواطنين العرب بالجنوب.
إن مقارنة موقف ألبانيزي بموقف نتنياهو تكشف جوهر الأزمة: ففي أستراليا، ان لجنة التحقيق هي أداة لتعزيز الثقة بين الدولة ومواطنيها؛ اما في إسرائيل، فان غياب لجنة التحقيق في ملف القتل والجريمة في المجتمع العربي يعمّق الشعور بفقدان السيادة وانعدام المساواة. من هنا، تقع مسؤولية كبرى على عاتق لجنة المتابعة العليا، والنواب العرب، والسلطات المحلية، للمطالبة بلجنة تحقيق رسمية وشاملة. وإذا استمر التجاهل، فإن التوجه إلى المحافل الدولية يصبح ليس خيارًا سياسيًا فقط، بل تعبيرًا عن فشل داخلي في حماية الحق الأساسي في الحياة.
السيادة الحقيقية لا تُجزّأ، والعدالة لا تُمنح لفئة وتُحجب عن أخرى. هذا هو الدرس الذي قدمه رئيس وزراء أستراليا، وهو الدرس الذي ما زالت الحكومة الإسرائيلية ترفض تعلمه.
المصدر:
كل العرب