طلابات وطلاب مدرسة "مارغاريتا روته" الثانوية خلال رحلة تبادل طلابي في إسرائيل عام 2018. كانوا معجبين بجمال البحيرات الصغيرة التي تشكلت بعد هطول الأمطار في صحراء النقبصورة من: Axel Schlüter

"لو لم نكن نعمل بقدر كبير من الحب والإخلاص لهذه القضية، لكنا قد استسلمنا"، كما قالت فريدريكه كلي لـDW. تعمل كلي وزميلها أكسل شلوتر كمعلمين في مدرسة "مارغاريتا روث" الثانوية في هامبورغ . وهذه المدرسة تحمل اسم امرأة شاركت في المقاومة ضد القمع والدكتاتورية في عهد النازية في ألمانيا. والمعلمون في هذه المدرسة يشعرون بأنهم ملتزمون بالتذكير بهذا التاريخ. وتنظّم المدرسة منذ عام 2015 برامج تبادل طلابية مع إسرائيل .

وكان يسافر كل عام حتى سنوات قليلة مضت 15 إلى 20 طالبًا من ألمانيا إلى إسرائيل في الربيع. وكان يقوم في الصيف العدد نفسه من الشباب الإسرائيليين بزيارة مقابلة إلى هامبورغ. لكن آخر تبادل حقيقي حدث قبل جائحة كورونا .

يعمل محمد جان رئيس قسم بمدرسة "كامبوس روتلي" في برلين ، هو أيضًا معلم ملتزم ويعتبر التبادل مع إسرائيل جزءًا مهمًا من التثقيف السياسي. ويقول أيضًا: "اضطررنا في عام 2021 إلى إلغاء رحلتنا بسبب كورونا، وفي عام 2023 بسبب السابع من تشرين الأول/أكتوبر [الهجوم الإرهابي على إسرائيل]، وفي عام 2025 بسبب تحذير من السفر". ولا توجد حاليًا خطط للقيام برحلات، كما يقول. هذا ما يُقال الآن تقريبًا في جميع المدارس التي كانت إسرائيل وجهة لرحلاتها.

إفطار جماعي في عام 2019 ضم طلاب إسرائيليين وطلاب مدرسة "مارغاريتا روته" الثانوية من هامبورغ بعد قضاء ليلة في أحد الكيبوتساتصورة من: Axel Schlüter

كل رحلة تمثّل جهدًا تنظيميًا وماليًا

وتقع كل من مدرسة "كامبوس روتلي" في منطقة برلين نويكولن ومدرسة "مارغاريتا روث" في منطقة هامبورغ بارمبيك، حيث يعتبر أولياء الأمور في العادة غير أثرياء ومعظم الطلاب مسلمين. وكل رحلة تبادل طلابي إلى إسرائيل تمثل في كلا المدرستين والمدارس المشابهة جهدًا شاقًا بالنسبة للمعلمين المشاركين. ويذكر المشاركون أن إعداد المحتوى يعد هنا من أبسط مشاكلهم.

وفي هذا الصدد تقول المعلمة فريدريكه كلي: "طلابي يعلمون أنني مؤيدة لإسرائيل والطلاب الفلسطينيون يقومون بحس نبضي، ولكن على الرغم من أن لدينا عددًا كبيرًا من الأطفال المسلمين، لم تحدث حتى الآن أية صراعات". وتضيف أن الأصعب من ذلك بكثير هو الحصول على تمويل للرحلات وتنظيم كل شيء.

ويضيف زميلها أكسل شلوتر أنهم غالبًا ما يحتاجون إلى نحو خمس مؤسسات مانحة، وأحيانًا يحتاجون أيضًا إلى مديرية التربية والتعليم، وكذلك إيرادات بيع الكعك في المدارس وتبرعات من أقارب ودودين. وبسبب ارتفاع الأسعار، أصبحت التكاليف الآن تتجاوز بسرعة ألف يورو لكل طالب. وفي حال الاضطرار إلى إلغاء الرحلة في اللحظات الأخيرة بسبب تحذير من السفر، فعندئذ يكون معظم المال قد ضاع هباءً.

وبالنسبة لإريك ليندنر، المدير التنفيذي لمؤسسة أكسل شبرينغر (أكبر شركة إعلامية لنشر صحف وتوزيع في ألمانيا)، التي تدعم مثل هذه الرحلات بمبلغ يصل إلى 150 يورو كحد أقصى لكل طالب، فقد تغير العمل تمامًا، كما ذكر لـDW. ففي عام 2022، دعمت مؤسسته 46 رحلة إلى إسرائيل وكذلك 46 زيارة لمجموعات طلابية إسرائيلية إلى ألمانيا. أما في عام 2026 فتم تقديم ثلاثة طلبات فقط من أجل ذلك. ولم يتم تقديم أي طلب لتمويل رحلة من ألمانيا إلى إسرائيل. والآن توجد على مكتب ليندنر بشكل خاص طلبات لرحلات إلى نصب ومواقع تذكارية.

بعد رحلة في عام 2019 استمرت سبعة أيام إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية، أعدّ طلاب مدرسة "كامبوس روتلي" هذه القصة المصورة (كوميكس) التي حائزة على جوائز. تعرض القصة تجاربهم ومخاوفهم وأحكامهم المسبقة، وتربطها بمعلومات سياسية وتاريخية

عندما يأتي طلاب إسرائيليون تدق أجراس الإنذار

وفي حين تحذّر وزارة الخارجية الألمانية من السفر إلى إسرائيل، تنصح السلطات الإسرائيلية مواطنيها بعدم السفر إلى ألمانيا. ويؤدي تزايد معاداة السامية والاعتداءات الجسدية على اليهود في ألمانيا إلى الضغط على المدارس والأسر التي تستضيف طلاب التبادل.

ويقول معلم التربية الدينية أكسل شلوتر من هامبورغ إنهم لا ينشرون أخبار هذه الرحلات على موقعهم الإلكتروني إلا بعد انتهاء زيارة مجموعة الطلاب الإسرائيليين. ويذكر إريك ليندنر من مؤسسة شبرينغر، التي تدعم مثل هذه الرحلات، أنه عرف خلال محادثاته مع المدارس: "من أجل ضمان سلامة الطلاب الإسرائيليين، يجب استئجار حافلات خاصة أو حراس أمن. وهذا ليس مجرد جهد هائل، بل يحتاج أيضًا تكاليف باهظة. وغالبًا ما تستطيع تحملها فقط المدارس التي يكون فيها أولياء الأمور أثرياء".

الحب أفضل وسيلة لمكافحة معاداة السامية"

ويقول محمد جان إنه يريد "عدم المبالغة في تقدير أهمية الرحلات إلى إسرائيل، وكذلك عدم التقليل من شأنها". ويضيف أنها تساعد في مكافحة معاداة السامية. لقد تحولت مدرسة "كامبوس روتلي" في برلين نويكولن من "مدرسة كانت توصف بأنها "قنبلة اجتماعية موقوتة" إلى نموذج مثالي. ويقوم فيها محمد جان أيضًا بتدريب المعلمين في موضوعات صراع الشرق الأوسط والدين ومعاداة السامية. وحول ذلك يقول جان متسائلًا: "يجب علينا أن نسأل أنفسنا: كيف يتم إعداد معلمي الكيمياء لشرح مثل هذا الصراع الطويل والمثير للجدل؟".

ومدرسة "كامبوس روتلي" كان لديها شبكات تواصل وبرامج تدريبة وتجارب روتينية عندما أدت أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى استقطاب شديد في ساحات المدارس. لقد كانوا مستعدين. وقد ساهمت في ذلك أيضًا الرحلات إلى إسرائيل، "فقد أدت اللقاءات الميدانية إلى فهم الموضوع بشكل أفضل في تعقيده وعدم الثقة في صحة بعض المعلومات".

والطلاب كان يمكنهم بعد الرحلات القول: "نحن لم نشهد ذلك بهذا الشكل هناك". ويقول محمد جان إن الطلاب عاشوا تجربة قوية جدًا خاصة في القدس ، حيث تلتقي العديد من الأديان والتيارات المتطرفة. ويضيف ممازحًا أنه سيكون رائعًا جدًا لو وقع أحد طلابه في الحب داخل إسرائيل. كما يحدث ذلك عادة لدى الشباب الناشئين.

والحب يساعد، كما تقول أيضًا فريدريكه كلي وأكسل شلوتر. ويضيفان أن: "أفضل وسيلة لمكافحة معاداة السامية هي عندما يتعرف الناس على بعضهم، وربما حتى عندما يحبون أيضًا". ويعتقدان أن هناك جانبًا معرفيًا وآخر عاطفيًا على أرض الواقع. وتؤكد فريدريكه كلي قائلة: "عندما ينظر الناس إلى بعضهم كبشر، فعندئذ نكون قد حققنا الكثير".

باولا تسافر رغم ذلك إلى إسرائيل

وكذلك لم يعد يوجد تبادل حقيقي يستحق الذكر حتى خارج المجال المدرسي. كما أن الكثير من المؤسسات تتجنب القيام برحلات إلى منطقة الأزمات هذه. ولكن منظمة السلام الألمانية "Sühnezeichen Friedensdienste" تريد الحفاظ على برامج التبادل قدر الإمكان. ويذهب حاليًا العدد من الشباب كمتطوعين إلى إسرائيل، ومن بينهم شابة من برلين اسمها باولا فايتسيل. لقد أنهت للتو دراستها الثانوية العامة وكانت تبحث عن فرصة للتعرف عن كثب على دولة إسرائيل ومجتمعها. وقد وجدت فرصتها في برنامج "سنة الخدمة الاجتماعية التطوعية" لدى منظمة السلام "Aktion Sühnezeichen".

وحول ذلك تقول الشابة باولا، التي يبلغ عمرها 20 عامًا: "لم أواجه بسبب ذلك أي عداء أو إهانات داخل دائرة أصدقائي، ولكن المحيطين بي كانوا يريدون معرفة سبب اختياري هذا البلد بالذات". وتضيف أنها كثيرًا ما كانت تُسأل إن كانت ترى السفر إلى هناك مقبولًا من الناحية الأخلاقية طالما أن هناك يمينيين متطرفين في الحكومة الإسرائيلية يحددون سياساتها.

وتقول إن هذا كان أحيانًا يشتتها ذهنيًا، ولكنها لا تريد اختزال إسرائيل في هذا الجانب فقط. وهي مقتنعة بأن "الانتقاد جزء من الصداقة الجيدة". والوضع الأمني لا يشكل مصدر قلق بالنسبة لها. فقد زارت إسرائيل أول مرة وهي في الثانية عشرة من عمرها، ثم تكررت زياراتها لأن صديق أمها إسرائيلي. ولهذا السبب فهي تعرف جيدًا متى يجب عليها الذهاب إلى أحد ملاجئ الحماية.

باولا فايتسيل شابة ألمانية تؤدي "سنة خدمة اجتماعية تطوعية" في إسرائيل من خلال منظمة السلام "Aktion Sühnezeichen"صورة من: privat

مؤرخ: التبادل الألماني الإسرائيلي في أزمة عميقة

يهتم أورييل كاشي في القدس برعاية المتطوعين التابعين لمنظمة "Aktion Sühnezeichen"، ويدير منذ عامين مركز لقاء الشباب "بيت بن يهودا" في القدس. ويوجد في هذا المركز 48 سريرًا وهو مخصص للشباب الراغبين في المشاركة في برامج التبادل. ولكن الآن غالبًا ما تكون الغرف فيه خالية.

وهذا يدل بالنسبة لأورييل كاشي على أن التبادل الألماني الإسرائيلي يمر بأزمة عميقة. ويقول المؤرخ والمرشد السياحي أورييل كاشي: "في الماضي، كانت هناك الكثير من اللقاءات العفوية والمريحة تجمع بين الجوقات الموسيقية أو الرحلات المدرسية أو فرق الإطفاء. وتراجعت قصص المحرقة النازية (الهولوكوست) إلى الخلفية، وأصبح التركيز ينصب أكثر على الحياة الآن وعلى الشاطئ ومجتمع الميم والموسيقى".

ويضيف أن ارتباط إسرائيل بالحرب بات يشكّل الآن صورتها في المقام الأول. وبات يشعر الكثير من الإسرائيليين بأنهم تركوا وحيدين بسبب حالات المقاطعة وعزوف الناس عن زيارة إسرائيل - بمن فيهم الأشخاص الناقدون. ويقول كاشي إن برامج التبادل لا تحظى بأولوية لدى الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو . ويأمل أن يتغير ذلك ربما بعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2026.

يوجد معلمون يرفضون الاستسلام لليأس

لقد كان يوجد في الأوقات الجيدة - قبل جائحة كورونا، وقبل الهجوم الإرهابي في السابع من تشرين الأول/ 2023 و الحرب مع إيران - ما يقدّر بنحو 10 آلاف رحلة تبادل بين ألمانيا وإسرائيل كل عام. ومعظم هذه الرحلات كان يتم تنظيمها خارج الإطار المدرسي الرسمي، وقد شكّلت كل رحلة منها حجر أساس مهمًا في تعزيز التفاهم المتبادل.

والآن يجب على المدارس أن تجد بمفردها مدرسة شريكة في إسرائيل. كما أن تقليص ميزانيات الولايات المحدودة الخاصة بالمساهمة في تكاليف الرحلات المدرسية يزيد من صعوبة برامج التبادل الطلابي.

ومع ذلك فإن المعلمة فريدريكه كلي وزميلها أكسل شلوتر من هامبورغ لا يريدان الاستسلام لليأس. وربما يسافرا إلى إسرائيل على نفقتهما الخاصة للبحث عن مدرسة شريكة جديدة. هذه خطتهم حاليًا.

أعده للعربية: رائد الباش