مزاعم التحريض والإعلام السام.. كيف تصاعدت حملة إسرائيل على الجزيرة؟
في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أسبوعين، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شبكة الجزيرة بأنها وسيلة إعلام سامة.
لكن هذه لم تكن البداية، فالوصف التحريضي الذي خرج على لسان نتنياهو في 24 سبتمبر/أيلول الماضي، كان مجرد حلقة جديدة في سلسلة عدوانية بدأت بالانتقادات والادعاءات قبل أن تنتقل إلى سيل من التهديدات.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 "تضليل لتبرير الاستهداف".. حماس تنفي مزاعم إسرائيل بشأن مستشفى كمال عدوان
* list 2 of 2 يديعوت أحرونوت: نتنياهو حرّف وثائق بشأن تحذيرات سبقت 7 أكتوبر end of list
ثم جاءت مرحلة أكثر بؤسا تحولت فيها التهديدات إلى قوانين وتشريعات تمكّن الحكومة من إغلاق مكاتب الجزيرة وحجب مواقعها، بالتزامن مع اتهامات متكررة للجزيرة بالتحريض وحتى الإرهاب.
كان نتنياهو يتحدث أمام مقاعد فارغة إلا قليلا، بعد أن قاطع العشرات من رؤساء وأعضاء الوفود متابعة كلمته أمام الدورة 81 للجمعية العامة، ومع ذلك فقد همز الجزيرة عندما كان يتحدث عما أسماها "الجبهة الثامنة" التي تواجهها إسرائيل وتتعلق بالحرب من أجل الحقيقة، على حد قوله.
نتنياهو زعم أن قطر تنفق أموالا طائلة للتأثير في الرأي العام، قبل أن يصف الجزيرة بأنها من وسائل الإعلام "السامة"، ويتحدث عما أسماه "غسل أدمغة الشباب ودفعهم إلى كراهية إسرائيل والولايات المتحدة والغرب".
في اليوم التالي، ردت الجزيرة رافضة بشكل قاطع تصريحات نتنياهو، وقالت إنها ترى في هذه التصريحات حلقة جديدة في حملة ممتدة تستهدف الجزيرة وصحفييها بسبب عملهم الصحفي، الذي يقوم على نقل الوقائع من الميدان وتوثيقها ووضعها في سياقها، وإفساح المجال أمام مختلف الأصوات ووجهات النظر.
ولفتت الجزيرة -في بيان- إلى خطورة أن يصدر هذا الخطاب من على منبر الأمم المتحدة بما يترتب عليه من تهديد لسلامة صحفييها العاملين في الميدان، مؤكدة أنه "لا يمكن فصل هذا الوصف عن الثمن الباهظ الذي دفعه صحفيو الجزيرة في غزة، حيث فقدت الشبكة عددا من صحفييها ومصوريها أثناء أداء عملهم، وتعرض بعضهم لحملات تحريض ووصم قبل استهدافهم".
واعتبرت الجزيرة أن إجراءات الحظر الإسرائيلي لا تستهدف "الجزيرة وحدها، بل تمس حق الإنسان في الوصول إلى الحقيقة وإلى تغطية صحفية مستقلة"، مطالبة المجتمع الدولي والهيئات الأممية ومنظمات حرية الصحافة بالاضطلاع بمسؤولياتها في حماية الصحفيين، ومحاسبة المسؤولين عن استهدافهم.
ليست الجزيرة وحدها
قد يبدو ما أقدم عليه نتنياهو أمام الجمعية العامة غريبا ومستهجنا حين حاول إلقاء المسؤولية على شبكة إعلامية مهمتها نقل ما يجري على الأرض، بعد فترة شهدت تعرض إسرائيل للإدانة حتى من الحلفاء بسبب حرب الإبادة التي شنتها على قطاع غزة الفلسطيني ابتداء من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
لكن الحقيقة أن إسرائيل -التي طالما قدمت نفسها كدولة ديمقراطية تحترم حرية الإعلام وحقوق الإنسان- سعت إلى التعتيم على ما قام به جيشها من انتهاكات في غزة، وإلى معاقبة كل من يحاول كشف واقع كان من بين نتائجه إصدار المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرتي توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه آنذاك يوآف غالانت، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
بي بي سي ورويترز
في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وبعد ستة أيام من بدء حرب الإبادة، أعلنت شبكة "بي بي سي" البريطانية أن فريقها الصحفي في إسرائيل تعرض للاعتداء والاحتجاز تحت تهديد السلاح، بعد أن أوقفتهم الشرطة في مدينة تل أبيب رغم أن سيارتهم تحمل علامة واضحة تشير إلى أنهم تابعون لجهة إعلامية.
في اليوم التالي، قُتل الصحفي عصام عبد الله من وكالة رويترز البريطانية، وأُصيب معه صحفيا الجزيرة كارمن جوخدار وإيلي براخيا، و3 صحفيين آخرين من وسائل إعلام أجنبية ومحلية، في جنوب لبنان، جراء استهداف القوات الإسرائيلية لسيارتهم.
مصدر الصورة
أسوشيتد برس
الأمر بدأ قبل حرب الإبادة، ففي 15 مايو/أيار 2021 دمرت إسرائيل برجا سكنيا يتألف من 12 طابقا في مدينة غزة يضم مكتب وكالة أسوشيتد برس -التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها- ومكاتب وسائل إعلامية أخرى، قائلة إن المبنى تستخدمه أيضا حركة المقاومة الإسلامية ( حماس).
ووصف الرئيس التنفيذي لأسوشيتد برس جاري برويت الضربة بأنها "تطور مزعج بشكل لا يصدق"، وقال إن 12 صحفيا ومتعاقدا من العاملين بالوكالة كانوا بالمبنى وتم إجلاؤهم في الوقت المناسب.
أما الاعتداء الأبرز خلال حرب الإبادة الأخيرة، فكان في 21 مايو/أيار 2024 عندما قررت الحكومة الإسرائيلية إيقاف خدمة البث المباشر لوكالة أسوشيتد برس لتغطية ما يجري في غزة، بدعوى وجود "قانون يحظر تزويد قناة الجزيرة القطرية بالصور".
وأدانت أسوشيتد برس ما حدث مشيرة إلى أن السلطات الإسرائيلية استولت على معدات الوكالة ومشاهد التقطتها في غزة، بذريعة قانون "الإعلام الجديد" الذي يسمح بإغلاق وسائل إعلام أجنبية.
وكالة الصحافة الفرنسية
في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 أُصيب مكتب وكالة الصحافة الفرنسية في مدينة غزة إصابة مباشرة أو شديدة القرب، أدت إلى أضرار كبيرة في مقره بالطابق الأعلى من مبنى مكون من 11 طابقا.
ولم يكن موظفو الوكالة في المكتب وقت الضربة، بعدما أُجبروا على الانتقال إلى جنوب القطاع عقب أمر الإخلاء الإسرائيلي الصادر لسكان شمال غزة في 13 أكتوبر/تشرين الأول.
جدير بالذكر، أن رابطة الصحافة الأجنبية في القدس لجأت إلى المحكمة الإسرائيلية العليا طالبة السماح لوسائل الإعلام الدولية بدخول قطاع غزة وتغطية ما يجري به، لكن المحكمة رفضت الطلب في 8 يناير/كانون الثاني 2024، معتبرة أن القيود الحكومية مبررة أمنيا.
عودة إلى الجزيرة
الانتهاكات الإسرائيلية التي شملت وسائل إعلام بعضها أمريكية وبريطانية وفرنسية، كان للجزيرة منها النصيب الأكبر، وفيما يلي أبرز محطات هذه الانتهاكات:
21 يوليو/تموز 2014
قاد وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك أفيغدور ليبرمان حملة التصعيد ضد الجزيرة عندما ادعى أنها "لا تقوم بعمل صحفي وإنما بغسيل دماغ، وإنها أصبحت جزءا متكاملا مما وصفه بالإعلام الدعائي للمنظمات الإرهابية".
وتحدث ليبرمان عن البدء في دراسة عدم السماح لها بالعمل في إحدى أبرز الدعوات الرسمية المبكرة لإغلاق الجزيرة.
22 يوليو/تموز 2014
تعرض مكتب الجزيرة في غزة لإطلاق نار أدى إلى إخلائه مؤقتا، دون وقوع إصابات.
26 يوليو/تموز 2017
دخل نتنياهو على الخط حيث كتب على مواقع التواصل مدعيا أن شبكة الجزيرة "لا تتوقف عن التحريض على العنف" بشأن أحداث المسجد الأقصى، وقال إنه طالب أجهزة إنفاذ القانون عدة مرات بإغلاق مكتبها في القدس، مضيفا أنه سيعمل على سن القوانين اللازمة لإخراج الجزيرة من إسرائيل، على حد قوله.
6 أغسطس/آب 2017
وزير الاتصالات الإسرائيلي أيوب قرا يتهم الجزيرة بدعم الإرهاب ويؤكد أنه سيسعى إلى إغلاق مكتبها في القدس، وسحب بطاقات اعتماد صحفييها، ووقف بثها عبر شركات الكابل والأقمار الصناعية.
15 مايو/أيار 2021
الأمر يخرج عن نطاق التصريحات والتهديدات، حيث دمرت غارة إسرائيلية برج الجلاء في غزة الذي كان يضم مكاتب الجزيرة وأسوشيتد برس ومؤسسات أخرى إلى جانب شقق سكنية، وجيش الاحتلال يدعي أن المبنى يضم أصولا عسكرية تابعة لحماس.
مصدر الصورة
11 مايو/أيار 2022
تم اغتيال مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة أثناء تغطيتها اقتحاما إسرائيليا لمخيم جنين، وأصيب زميلها علي السمودي. وحمّلت الجزيرة القوات الإسرائيلية المسؤولية، وقالت إن شيرين أبو عاقلة كانت ترتدي سترة الصحافة بشكل واضح، ودعت المجتمع الدولي إلى محاسبة المسؤولين.
وبعد محاولات للتنصل، قال جيش الاحتلال في سبتمبر/أيلول 2022 إن تحقيقه أقر بوجود "احتمال كبير" لأن تكون شيرين أبو عاقلة قد أصيبت بنيران جندي إسرائيلي كان يطلق النار باتجاه مسلحين فلسطينيين.
15 أكتوبر/تشرين الأول 2023
وزير الاتصالات شلومو كرعي يقول إنه يسعى إلى إغلاق مكتب الجزيرة ويتهمها بأنها "بوق دعائي لحماس"، ويقول إنه من غير المقبول أن تصل رسائل المتحدثين باسم حماس إلى الجمهور من خلالها.
وفي اليوم التالي، قدّم جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) توصياته إلى المستويين العسكري والسياسي بدعم إغلاق شبكة الجزيرة، بدعوى أنها تضر بأنشطة الجيش الإسرائيلي.
1 أبريل/نيسان 2024
نتنياهو يقول إن الجزيرة "أضرت بأمن إسرائيل"، ويتهمها بأنها "شاركت بصورة فاعلة" في هجوم 7 أكتوبر و"حرّضت ضد جنود الجيش الإسرائيلي، والكنيست يقر قانونا مؤقتا يسمح للحكومة باتخاذ إجراءات ضد وسائل إعلام أجنبية، إذا اقتنع رئيس الوزراء بأن محتواها يسبب "ضررا حقيقيا لأمن الدولة".
ورغم أن نص القانون لم يسمّ الجزيرة حصرا، فقد ارتبط بها منذ البداية إلى درجة شيوع تسميته إعلاميا بـ"قانون الجزيرة".
5 مايو/أيار 2024
الحكومة الإسرائيلية تقرر بالإجماع وقف عمل الجزيرة داخل إسرائيل، ووزير الاتصالات يصدر أوامر بوقف بثها، وإغلاق مكاتبها، وحجب مواقعها، ومصادرة معدات تستخدم في الإنتاج والبث. والشرطة تداهم مقرا كانت تستخدمه الشبكة في القدس وتصادر معدات منه.
والجزيرة تصف القرار بأنه "عمل إجرامي" وانتهاك للحق في الوصول إلى المعلومات، وترفض الاتهامات الإسرائيلية بانتهاك المعايير المهنية، مؤكدة أنها ستواصل تغطيتها وستلجأ إلى الوسائل القانونية المتاحة.
4 يونيو/حزيران 2024
محكمة تل أبيب المركزية تؤيد القرار الحكومي بإغلاق الجزيرة لكنها تخفض مدة القرار من 45 إلى 35 يوما.
9 يونيو/حزيران 2024
الحكومة الإسرائيلية تقرر تمديد إجراءات الإغلاق 45 يوما أخرى.
22 سبتمبر/أيلول 2024
السلطات الإسرائيلية تمد نطاق الإغلاق إلى مكتب الجزيرة في مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة، وقواتها تقتحم المكتب وتصادر معداته وتسلم العاملين أمرا عسكريا بإغلاقه.
والجزيرة تصف ما جرى بأنه اعتداء على حرية الصحافة، وترفض الاتهامات، وتتعهد بمواصلة التغطية واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
23 أكتوبر/تشرين الأول 2024
جيش الاحتلال يتهم ستة من صحفيي الجزيرة العاملين في غزة بالانتماء إلى حماس أو حركة الجهاد الإسلامي. والجزيرة تنفي الاتهامات وتعتبرها مندرجة ضمن محاولة لإسكات صحفييها ومنعهم من نقل ما يحدث في غزة، محذرة من أن تلك الادعاءات تعرض حياتهم للخطر.
مصدر الصورة
25 يوليو/تموز 2025
أصدرت الجزيرة بيانا قالت فيه إن الجيش الإسرائيلي والمتحدثين باسمه يصعّدون ما وصفته بـ"حملة تحريض" على صحفييها في غزة، وخصت بالذكر مراسلها أنس الشريف معتبرة أن توجيه الاتهامات إليه يمثل محاولة لتهيئة مبررات لاستهدافه.
10 أغسطس/آب 2025
استشهاد أنس الشريف مع عدد من زملائه في غارة إسرائيلية على خيمة للصحفيين قرب مستشفى الشفاء.
والجزيرة تحمّل قوات الاحتلال المسؤولية وتربط الغارة بالتصريحات والاتهامات التي سبقتها.
23 ديسمبر/كانون الأول 2025
الكنيست الإسرائيلي يوافق بالقراءتين الثانية والثالثة على تمديد قانون الطوارئ المحدَّث والمعروف باسم " قانون الجزيرة" لعامين وتحويله إلى قانون دائم، دون ربطه بوجود حالة طوارئ كما كان عليه لدى سنّه كأمر مؤقت في أبريل/نيسان 2024.
25 يناير/كانون الثاني 2026
السلطات الإسرائيلية تمدد حظر عمليات الجزيرة وإغلاق مكاتبها لمدة 90 يوما أخرى. وشمل الأمر -الذي وقعه وزير الاتصالات شلومو كرعي- منع شركات البث والإنترنت ومنصة يوتيوب من تقديم خدمات تتيح بث الشبكة داخل إسرائيل.
21 يونيو/حزيران 2026
إسرائيل تجدد اتهاماتها، والجزيرة تصدر بيانا للرد على الاتهامات الموجهة لصحفييها ومصوريها في غزة، وتعتبرها محاولة لتبرير استهداف طواقمها.
24 سبتمبر/أيلول 2026
جاءت الحلقة الأخيرة في الاتهامات الإسرائيلية للجزيرة من خلال حديث نتنياهو أمام الجمعية العامة عما وصفه بـ"إعلام سامّ"، مما يضع الجزيرة ضمن تصور أشمل لما يعتبره نتنياهو حربا دولية على إسرائيل في ميادين الإعلام والرأي العام.
ومن التحريض في حرب غزة عام 2014، إلى انتقاد نتنياهو للجزيرة أمام الأمم المتحدة؛ تبدو إسرائيل مصرة على امتلاك رواية الحرب وتحسين صورتها المهتزة، عبر ملاحقة وسيلة إعلام لا تفعل سوى نقل الحقيقة مهما كلفها ذلك.