قالت كوريا الشمالية إن صاروخا باليستيا متوسط المدى أطلقته السبت قادر على تغيير مساره على ارتفاع منخفض باستخدام الذكاء الاصطناعي، من دون أن تكشف طبيعة هذه التقنية أو تقدم دليلا مستقلا على دورها.

يثير الإعلان تساؤلات حول ما يعنيه استخدام الذكاء الاصطناعي داخل صاروخ، وما إذا كان يتعلق بالتعرف على الهدف أو التوجيه، أم بقدرات أكثر تقدما لم توضحها بيونغ يانغ حتى الآن.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 كوريا الشمالية تعلن اختبار صاروخ باليستي موجّه بالذكاء الاصطناعي
* list 2 of 2 ماذا تكشف محاكاة “النمر” عن حرب أمريكية صينية محتملة؟ end of list

ماذا قالت بيونغ يانغ بالضبط؟

رصد الجيش الكوري الجنوبي إطلاق الصاروخ من منطقة وونسان باتجاه البحر، وقال إنه قطع أكثر من 700 كيلومتر، بينما قدرت اليابان المسافة بنحو 680 كيلومترا.

وبعد ساعات، قالت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم كيم جونغ أون، إن الصاروخ "قادر على تغيير مسار تحليقه على ارتفاع منخفض، وقد دُمجت فيه تقنية الذكاء الاصطناعي". ووصفت ما جرى بأنه تدريب على "سلاح إستراتيجي" نفّذته "وحدة فرعية مسلحة تضطلع بمهمة خاصة حصرية".

وقالت كيم إن اختلاف تقديرَي سول وطوكيو يكشف محدودية قدرتهما على التتبع، وتحدثت عن "نمط المسار المتموّج"، قائلة إن كوريا الجنوبية عجزت "عن تتبّع الأهداف منذ نقاط ارتدادها الأولى".

ورأى الباحث في المعهد الكوري للشؤون العسكرية هونغ سونغ بيو، أنه من السابق لأوانه الجزم بدقة تصريحات كوريا الشمالية، مضيفا أن صعوبة اعتراض الصواريخ المناورة "لا يعني أنها قادرة على إصابة أهدافها بدقة متناهية".

مصدر الصورة كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون (رويترز)

هل الذكاء الاصطناعي جديد على ترسانة بيونغ يانغ؟

لا، فقد سبق أن استخدمته في خطابها العسكري. ففي أغسطس/آب 2024 تعهد كيم جونغ أون بإدخال التقنية في تطوير المسيّرات، وفي مارس/آذار 2025 قالت وسائل الإعلام الرسمية إن مسيّرات جديدة زُوّدت بـ"ذكاء اصطناعي جديد".

وفي مايو/أيار الماضي، وصل المصطلح إلى الصواريخ، عندما أعلنت بيونغ يانغ اختبار صواريخ كروز تكتيكية قالت إنها تستخدم الملاحة الدقيقة والتحكم الموجه بالذكاء الاصطناعي، ويمكنها ضرب أهداف على مسافة 100 كيلومتر.

إعلان

وقالت رويترز في 27 مايو/أيار 2026 إن نظام التوجيه النهائي المعلن بدا، بحسب محللين، أول إشارة علنية من بيونغ يانغ إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في الصواريخ.

لذلك، فالجديد السبت هو انتقال الادعاء من صاروخ كروز تكتيكي إلى صاروخ باليستي متوسط المدى تصفه بيونغ يانغ بأنه "إستراتيجي".

مصدر الصورة قاذفة صواريخ خلال اختبارات عسكرية سابقة في كوريا الشمالية (رويترز)

ماذا يمكن أن يعني الذكاء الاصطناعي هنا؟

لم يقدم أحد تفسيرا تقنيا لصاروخ السبت حتى الآن، لكن خبراء علّقوا على اختبار مايو/أيار يقدمون أقرب مؤشر.

فقد قال يانغ أوك، من معهد أسان لدراسات السياسات لوكالة رويترز، إن المقصود في صواريخ الكروز تلك هو استخدام الذكاء الاصطناعي في "التعرف على الهدف وتوجيه الصاروخ".

ورجح هونغ مين، من المعهد الكوري للتوحيد الوطني، أن تكون التقنية تطويرا لنظام توجيه موجود أضيفت إليه قدرة على التعرف الآلي على الهدف، لكنه شدد على أن مستوى تطورها لا يمكن التأكد منه من الإعلان الكوري الشمالي وحده.

وهذا لا يعني أن الصاروخ "يفكر" أو يختار هدفه من تلقاء نفسه. فالمعلومات المتاحة تتحدث فقط عن استخدام الذكاء الاصطناعي في التوجيه أو التعرف على الهدف، ولا تثبت أن الصاروخ يعمل بشكل مستقل عن الإنسان.

هل يحتاج الصاروخ إلى ذكاء اصطناعي كي يناور؟

ليس بالضرورة. فالصواريخ القادرة على تغيير مسارها موجودة أصلا، وتنفذ هذه المناورات بتقنيات توجيه معروفة.

وتوضح دراسة نشرها الباحث رالف سافلسبرغ في موقع "38 نورث" في مارس/آذار 2026 أن الصاروخ الباليستي التقليدي يسلك مسارا يمكن توقعه إلى حد كبير إذا تمكنت الرادارات من تتبعه. لكن بعض الصواريخ تطير على ارتفاع أقل، وتغيّر اتجاهها أثناء الرحلة، فيصعب توقع مسارها.

ومن هذه المناورات ما يُعرف بـ"المسار القافز"، حيث يغيّر الصاروخ ارتفاعه خلال الرحلة، إضافة إلى التحرك جانبيا قرب نهايتها.

واعتمد سافلسبرغ على رحلات لصاروخ "هواسونغ-11 إيه" وثّقتها تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة. وأعاد بناءها في محاكاة استخدم فيها طريقة توجيه حسابية شائعة تُعرف بـ"الملاحة التناسبية". كما أظهر فحص حطام صواريخ من هذا النوع سقطت في أوكرانيا نظام ملاحة يحدد حركة الصاروخ واتجاهه، ويحدّث موقعه بمساعدة الأقمار الصناعية.

والخلاصة أن قدرة الصاروخ على تغيير مساره لا تثبت وحدها وجود الذكاء الاصطناعي.

لكن المناورة ليست ميزة مطلقة. فالدراسة تشير إلى أن بعض المناورات تُفقد الصاروخ جزءا من سرعته، ما قد يسهّل اعتراضه في مرحلته الأخيرة.

مصدر الصورة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون برفقة ابنته كيم جو آي خلال اختبار نوع جديد من الأسلحة في موقع غير معلن بكوريا الشمالية (رويترز)

ما الذي يمكن إثباته فعلا؟

ليست هذه المرة الأولى التي تقول فيها بيونغ يانغ إن صاروخها غيّر مساره في الجو، ففي يناير/كانون الثاني 2025 أعلنت أن صاروخا فرط صوتي قطع نحو 1500 كيلومتر، وأنه غيّر مساره وحافظ على ارتفاعه بدلا من أن يواصل الهبوط، مسجلا ما سمّته "قمة ثانية". لكن سول قدّرت المدى بنحو 1100 كيلومتر، وقالت إنها لم ترصد ذلك.

وفي إطلاق السبت، لا يمكن التحقق إلا من جزء من القصة: كوريا الجنوبية واليابان رصدتا إطلاق صاروخ باليستي وقدّرتا مسافة طيرانه.

إعلان

أما الادعاء باستخدام الذكاء الاصطناعي، فمصدره الوحيد بيونغ يانغ، ولا توجد بيانات مستقلة تكشف ما الذي يفعله داخل الصاروخ، أو أين يدخل في عملية التوجيه.

وهنا الفرق الأساسي. فقدرة الصاروخ على تغيير مساره يمكن تفسيرها بوسائل توجيه معروفة، كما تُظهر تحليلات سابقة. أما أن خوارزمية ذكاء اصطناعي صارت فعلا جزءا من توجيهه، فهذا ما لم تثبته بيانات إطلاق السبت حتى الآن.