آخر الأخبار

حرب إيران والانتخابات.. هل تبخرت وعود ترمب للأمريكيين؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

دخلت الحرب الأمريكية على إيران منعطفا إستراتيجيا بالغ الحرج للإدارة الأمريكية، واتسم بتغير لافت في خطاب البيت الأبيض؛ فبعد أشهر من التبشير بـ"نصر حاسم وخاطف" تحولت لغة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نحو مدد زمنية مفتوحة ومواعيد مؤجلة ترتبط مباشرة بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة مطلع نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

ويأتي هذا التحول في ظل واقع ميداني وإقليمي معقد، حيث تقترب العمليات العسكرية من إتمام شهرها السابع دون إحراز "حسم عسكري"، وذلك في وقت يستمر فيه تعطل مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، وتوسع التهديدات البحرية عند مضيق باب المندب، مع استمرار موجات التضخم وارتفاع الأسعار التي تلهب ميزانيات الأسر الأمريكية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 3922 درجة فوق الجبال.. رحلة إلى "سلم السماء" في هاواي
* list 2 of 2 العنف الإمبراطوري بين القوة والضعف.. الحرب الأمريكية على إيران وحدود السيطرة end of list

وفي مقابلات مع الجزيرة نت، تباينت قراءات خبراء وسياسيين في واشنطن بشأن جوهر هذا التحول؛ فبينما يرى تيار عريض في هذا التأجيل انعكاسا لمأزق إستراتيجي عجز عن ترجمة التفوق العسكري الأمريكي وتحول الحرب إلى استنزاف مكلف يهدد الحزب الجمهوري بهزيمة كبيرة في صناديق الاقتراع؛ ينظر تيار آخر إلى سلوك ترمب بوصفه "مناورة ذكية " تعتمد أدوات الخنق الاقتصادي البطيء وتتحاشى الانزلاق إلى مستنقع بري قبل الاستحقاق الانتخابي، على أن يُستأنف الحسم العسكري فور إغلاق الصناديق.

المواطن بين فخ الانتخابات وغلاء المعيشة

تفرض انتخابات التجديد النصفي نفسها بوصفها المحدد الأبرز لحسابات الإدارة الأمريكية، حيث يجد صانع القرار نفسه أمام استفتاء شعبي على كلفة الحرب وإخفاقاتها الاقتصادية أو مدى نجاحها؛ فالسياسة الخارجية حين تمس جيوب المواطنين وأسعار السلع تصبح العامل الحاسم في تشكيل المزاج العام وتحديد مصير من يملك الأغلبية.

ولذلك يفكك الكاتب والباحث السياسي المقيم في واشنطن أسامة أبو ارشيد المعضلة التي يواجهها ترمب؛ فالحزب الجمهوري يجابه خطر انتكاسة انتخابية فادحة جراء الحرب على إيران وما تمخض عنها من تضخم متسارع وتآكل في القدرة الشرائية للمواطنين.

إعلان

وأضاف أبو ارشيد -في تصريحات للجزيرة نت- أن التقديرات تفيد بأن 37% من الأسر الأمريكية باتت تدفع نفقاتها الشهرية عبر بطاقات الائتمان، مما يعني لجوء أكثر من ثلث المجتمع للاقتراض لتأمين متطلبات العيش الأساسية. مبينا أن استطلاعات الرأي باتت ترجح فقدان الجمهوريين الأغلبية في مجلس النواب مع احتمال خسارة مجلس الشيوخ أيضا، وهو ما سيفضي إلى شل أجندة ترمب التشريعية وإدخاله في صراعات مضنية مع الديمقراطيين حول الموازنات والسياسات العامة.

وانطلاقا من تلك المخاوف، يحاول ترمب استنهاض قاعدته التقليدية عبر إطلاق وعود متفائلة بانخفاض الأسعار بعد الانتخابات، وهي وعود يصفها أبو ارشيد بأنها تفتقر إلى المصداقية الواقعية وتستهدف فقط بث الأمل لدى المترددين والمستقلين الغاضبين لتقليص حجم الخسارة السياسية المرتقبة.

وتتقاطع هذه القراءة مع تحليل مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية مايكل حنا، الذي يرى أن ترمب دأب على توجيه الرأي العام والأسواق بخطابات تنفصل عن الواقعين العسكري والدبلوماسي؛ فالحرب تفتقر تماما إلى الشعبية وباتت أعباؤها الاقتصادية تثقل كاهل الناخب.

وأضاف حنا أن هذه الأسباب جعلت الرئيس الأمريكي يتوخى الحذر البالغ من العودة إلى حرب شاملة خشية التداعيات السياسية، مراهنا على فرض هدوء نسبي مؤقت حتى نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، مع مواصلة تضييق الخناق الاقتصادي عبر العقوبات والمواجهات الميدانية منخفضة الشدة.

وفي المقابل، يقدم المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية (بنتاغون) ديفيد دي روش قراءة مغايرة تصف الآماد المفتوحة لترمب في سياق المناورة الذكية؛ إذ يرى أن تجربة ترمب في مطلع الحرب حين حدد مهلة "أسبوعين " للحسم ولم يفِ بها جعلته يتحاشى الالتزام بأي جداول صارمة تحول بينه وبين مرونة الحركة وتجنبه المحاسبة على تفويت المواعيد.

ويجزم دي روش بأن قاعدة الجمهوريين ترغب أساسا في تقليص الحديث عن الحرب تفاديا للأثمان الانتخابية، ولذلك عمد ترمب إلى التهوين من المعارك والقول إنها "لا تزعجه"، حيث نجح بالفعل في إبعاد أخبارها عن صدارة الصحف الأمريكية.

كما يستحضر دي روش أيضا -في تصريحاته للجزيرة نت- نجاح الإدارة الأمريكية في تطويق الآثار التضخمية، مشيرا إلى بقاء أسعار البنزين أقل بعدة دولارات للغالون مما كان متوقعا عند إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب استقرار وول ستريت عند مستويات قياسية دحضت فرضيات الانهيار المالي.

مصدر الصورة القصف الأمريكي على إيران اقترب من إكمال 7 أشهر وما زالت نتائج المعارك غير محسومة (الجزيرة)

معضلة الاستنزاف وعجز الحسم

وهناك معضلة ثانية أمام السياسة الأمريكية تتجاوز معضلة التأجيل والوعود لتلامس صلب التحديات الميدانية ومحدودية التفوق الجوي في حسم صراع أصبح إقليميا ومعقدا، حيث كشفت نحو 7 أشهر من القتال عن أن الغارات الجوية بلغت أقصى طاقاتها دون كسر صلابة طهران، لتقف واشنطن أمام معضلة الاجتياح وتكاليفه الباهظة.

ويشرح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة برمنغهام سكوت لوكاس هذه المعضلة الميدانية بأن الولايات المتحدة غير قادرة على حسم الأمور على الأرض لافتقارها إلى العمق العسكري اللازم في الميدان، أو لقرارها "الواعي " بتفادي التصعيد نظرا لحجم المخاطر الكارثية.

إعلان

ويكشف لوكاس -في تصريحات الجزيرة نت- عن أن هناك نقاشات حاسمة دارت في البنتاغون أواخر مارس/آذار وأوائل أبريل/نيسان الماضيين بشأن إمكانية الانتقال من الضربات الجوية إلى عمليات برية تشمل جزيرة خارك النفطية، إلا أن القيادة العسكرية حذرت بشدة من صعوبة دحر القوات الإيرانية برا، ونبهت إلى أن الرد الصاروخي الإيراني سيكون كبيرا إلى حد يعجز معه مخزون الصواريخ الدفاعية الاعتراضية الأمريكية عن صده وحماية القواعد الحيوية.

ويذهب أسامة أبو ارشيد في الاتجاه ذاته، مؤكدا أن المشكلة لا تكمن في غياب القدرات الأمريكية المطلقة، بل في انعدام الإرادة الوطنية لتعبئتها؛ فالحرب الحالية "حرب اختيارية " لا تمس البقاء القومي مباشرة، وخوضها بجدية كان يقتضي تحويل الاقتصاد الأمريكي إلى اقتصاد حرب وإخضاع مصانع السيارات لإنتاج الذخائر، وهو ما لا يملكه ترمب دستوريا وسياسيا.

ويستحضر الكاتب والباحث السياسي المقيم في واشنطن تقارير صحيفة "نيويورك تايمز " التي كشفت عن أن ترمب دخل الحرب بناء على "تصورات واهمة " قدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن حسم سريع وسهل، مشددا على أن أي حشد عسكري ضخم لغزو إيران سيستنزف القوة الأمريكية استنزافا مدمرا يخرجها من معادلة التنافس مع الصين وروسيا.

غير أن المسؤول السابق في البنتاغون يخالف هذا التحليل ويرى أن الإحجام العسكري الأمريكي مرحلة مؤقتة تمليها شروط صناديق الانتخابات؛ فترمب يفضل التروي والتركيز على مكاسبه الاقتصادية لتفادي التصعيد قبيل الانتخابات، لكنه سيعيد تقييم الموقف الميداني فور انقضاء الاقتراع لاستئناف الحرب بحدة أكبر، متسلحا حينها بإنهاك طهران الاقتصادي الذي بدأ يتجلى في خسارة الريال الإيراني نحو 10% من قيمته يوميا، حسب رأيه.

الحصار.. إنهاك إستراتيجي أم ارتباك سياسي؟

يشتعل الجدل بين الخبراء حول ما إذا كانت واشنطن تطبق خطة مدروسة تقود تدريجيا لإنهاك إيران، أم أنها تتخبط في إدارة معركة تفتقر إلى الأفق الإستراتيجي وأدوات الحسم.

ويوضح ديفيد دي روش أن سياسة ترمب لا تعكس ارتباكا في القرار، بل تستلهم ركائز "الإستراتيجية الأمريكية الكلاسيكية الكبرى " القائمة على إطباق الحصار الاقتصادي بموازاة الضغط العسكري لمنع الخصم من التقدم.

ويستند في ذلك إلى سوابق تاريخية؛ من حصار الشمال للولايات الجنوبية في الحرب الأهلية لمنع تقدمها وإسقاطها اقتصاديا، إلى الحصار البحري للإمبراطورية الألمانية في الحرب العالمية الأولى الذي تسبب في انهيار برلين الداخلي رغم بقاء جيوشها مسيطرة على مساحات شاسعة من أوروبا، وصولا إلى خنق اليابان وحرمانها من الوقود في الحرب العالمية الثانية.

ويؤكد المسؤول الأمريكي السابق أن تسريع العقوبات الأولية والثانوية ضد إيران يمثل جوهر هذه الإستراتيجية التراكمية، وأن التباين في خطابات ترمب بين التلويح بالحرب تارة والتركيز على الاقتصاد تارة أخرى لا يعدو كونه إدارة متزامنة لمسارات متعددة يبرز منها الرئيس ما يخدم مرحلته اليومية.

وفي المقابل، يرفض أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة برمنغهام هذه المقاربة ، جازما بأن الإدارة الأمريكية تفتقر تماما إلى التكتيك والإستراتيجية الرابطة بين الأدوات والأهداف النهائية.

ويفند سياسة البيت الأبيض التي امتنعت عن تطبيق عقوبات شاملة وتفادت معاقبة الصين التي تواصل تدفقات النفط الإيراني إليها، مما جعل الحصار منقوصا. مؤكدا إلى أن ترمب يلجأ إلى اصطناع "واقع بديل " للناخبين بادعاء السيطرة على مضيق هرمز ومنع إيران من السلاح النووي، بينما تظهر الحقائق استمرار إغلاق المضيق، وشن الحوثيين هجمات شملت قصف خط أنابيب "شرق-غرب " في السعودية، مما ينسف سردية السيطرة ويثبت غياب الرؤية المتماسكة.

إعلان

ويعزز مايكل حنا -في تصريحاته للجزيرة نت- هذا التحذير بإبراز ما يمكن تسميتها "المعضلة الارتدادية "؛ إذ كلما حقق الخنق الاقتصادي نجاحا ظاهريا، تعاظمت دوافع إيران لكسر الهدوء المؤقت، لكونها تعرف أهمية التقويم السياسي الأمريكي، ولن تتوانى عن استخدام أوراقها النوعية والتصعيد لضرب حظوظ الجمهوريين في استحقاق الانتخابات المقبلة.

مصدر الصورة ترمب وعد بمنح كل مواطن أمريكي 5 آلاف دولار في حال فوز الجمهوريين بانتخابات التجديد النصفي (غيتي)

شراء الوقت وتآكل الأغلبية الجمهورية

أمام انسداد أفق الحسم السريع، لجأ ترمب إلى توظيف وعود مالية غير مسبوقة لتحفيز الناخبين، مما فتح بابا واسعا أمام المحللين لفحص دوافعه الشخصية وعلاقتها بالمصالح العليا للبلاد.

وينظر دي روش إلى تعهد ترمب بمنح كل مواطن أمريكي بالغ 5 آلاف دولار إذا احتفظ الحزب الجمهوري بمجلسي الكونغرس على أنه "رهان آمن "؛ فالأغلبية الجمهورية في النواب هشة جدا وتقتصر على 3 مقاعد، بينما تشير التقديرات والاستطلاعات إلى فوز الديمقراطيين بما لا يقل عن 10 مقاعد.

ويوضح المسؤول السابق في البنتاغون أن ترمب يقدم هذا الإغراء وهو يدرك تماما أن الشروط لن تتحقق، مما يعفيه من عبء الوفاء به وما قد يجلبه من أزمات مالية هيكلية تؤرق الجمهوريين لسنوات.

ويصل دي روش إلى خلاصة مفادها أن ترمب يكترث لإرثه الذاتي أكثر بكثير من انتمائه للحزب الجمهوري، ولذلك سيمضي بعد انتخابات التجديد النصفي في حربه كقضية إرث شخصي، تاركا العواقب السياسية لمرشحي الرئاسة لعام 2028، على حد قول دي روش.

غير أن هذا النهج يلقي بظلال وخيمة على السياسة الأمريكية داخليا وخارجيا، حيث ينبه أبو ارشيد إلى أن ترمب يشتري الوقت دون امتلاك مخرج حقيقي؛ فالانسحاب دون حسم في ظل استمرار سيطرة إيران على هرمز والتهديدات بباب المندب سيكرّس حضورها المؤثر في التجارة العالمية، وسيخلد ترمب بوصفه صاحب "الحرب الغبية" أسوة بما كان يصف به سابقيه في العراق وأفغانستان.

ويختم سكوت لوكاس موقفه بتأكيد أن صورة القوة التي ينشدها ترمب تصدعت إقليميا؛ إذ تشعر عواصم الخليج بالخذلان لعدم إكمال واشنطن مهمتها بعد تفجير الحرب، مما قوض حرية الملاحة الدولية التاريخية وفتح الباب لبكين لترسيخ شراكاتها الإقليمية وملء الفراغ الإستراتيجي الناجم عن التردد الأمريكي.

والخلاصة التي تكشفها المقاربات السابقة أن لجوء دونالد ترمب إلى تمديد المهل الزمنية وربط مصير حرب إيران باستحقاق التجديد النصفي لا يمثل إستراتيجية نصر بقدر ما هو ترحيل اضطراري للمأزق إلى ما بعد صناديق الاقتراع.

وسواء أسفرت الانتخابات عن صعود ديمقراطي يشل يد الإدارة، أو دفعت ترمب نحو مغامرة عسكرية متسرعة لإنقاذ إرثه الشخصي، فإن الواقع يؤكد أن الوعود الانتخابية لن تلغي صلابة الجغرافيا الإيرانية ولا أزمة نقص الصواريخ والذخائر؛ ففاتورة الاستنزاف وتآكل الردع وعدم الحسم باتت أثمانا واجبة السداد، ستجد واشنطن نفسها مجبرة على مواجهتها فور انقشاع غبار المعركة الانتخابية المثار إقليميا ودوليا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا