آخر الأخبار

هل يحول الحوثيون باب المندب إلى بوابة للجباية؟

شارك

لم تعد سيطرة الحوثيين على المخا والجزر المحيطة بباب المندب مجرد توسع عسكري في خريطة الحرب اليمنية؛ فالاقتراب المباشر من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم يمنح الجماعة قدرة مختلفة على التأثير في الملاحة، ويضع التجارة الدولية وقناة السويس وصادرات النفط وتكاليف الشحن والتأمين أمام معادلة جديدة.

هذا ما ينطلق منه تقدير الموقف الصادر عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية بعنوان "التداعيات الاقتصادية لسيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب"، والذي يركز على ما تعنيه السيطرة الحوثية الجديدة اقتصاديا، ومن سيدفع فاتورتها، وإلى أي مدى يمكن أن يذهب الحوثيون في استخدام المضيق ورقة ضغط.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 هل ينفجر النزاع المؤجل بين الخرطوم وجوبا؟
* list 2 of 2 لماذا يسعى الحوثيون إلى تعزيز مخزونهم العسكري في هذه المرحلة؟ end of list

الحوثيون عند الممر.. ما الذي تغير؟

يبدأ التقدير من التحول الميداني الكبير: دخول الحوثيين مدينة المخا والسيطرة على مينائها، ثم الوصول إلى ذباب المقابلة لجزيرة ميون، ووصول قوارب مسلحة إلى الجزيرة بعد انسحاب القوات الحكومية منها، بالتزامن مع السيطرة على أرخبيل حنيش وجزيرة زقر.

ويعطي التقدير أهمية خاصة لجزيرة ميون؛ لأنها تقسم باب المندب إلى قناتين، ومن يسيطر عليها يصبح موجودا مباشرة عند الممر الصالح للسفن. وهنا يرصد تحولا يتجاوز مجرد اتساع المساحة التي يسيطر عليها الحوثيون؛ فقد تغيرت قدرتهم في طبيعتها وليس في حجمها فقط.

ففي السابق كانوا يملكون سلاحا يستطيع تهديد السفن من مسافة بعيدة، أما الوجود المباشر عند الممر فيمنحهم إمكانية إيقاف السفن وتفتيشها. وهذا فارق بالغ الأهمية بالنسبة إلى شركات الشحن والتأمين؛ فخطر الإصابة بصاروخ يمكن تقديره وتسعيره تأمينيا، بينما يصبح خطر الاحتجاز والاحتكاك المباشر أكثر تعقيدا وأعلى تكلفة.

وبذلك تنتقل معادلة باب المندب من السؤال عما إذا كان الحوثيون يستطيعون إصابة السفينة إلى سؤال أشد خطورة: هل يستطيعون التحكم في مرورها؟

ويضع التقدير هذا التطور في سياق إقليمي أوسع؛ فبعد إغلاق إيران مضيق هرمز إغلاقا شبه كلي عقب حربها مع الولايات المتحدة، أصبحت منافذ البحر الأحمر أكثر أهمية للسعودية وعدد من دول الخليج، سواء في تصدير النفط أو حركة الواردات والصادرات. ثم جاء الحصار الحوثي على الملاحة السعودية ليجعل الممر البديل نفسه عرضة للضغط. وهكذا أصبح هرمز وباب المندب يعملان معا بصورة تزيد الضغط على حركة النفط والتجارة.

إعلان

ولا يرى التقدير أن النتيجة الأكثر ترجيحا هي الإغلاق الكامل لباب المندب؛ فالأثر الاقتصادي يمكن أن يتحقق من دون ذلك. ويكفي ارتفاع المخاطر والتأمينات وإعادة شركات الملاحة حساباتها حتى تصبح تكلفة المرور أعلى، ويبدأ جزء من السفن البحث عن طرق بديلة.

مصدر الصورة مقاتلون حوثيون (الأوروبية)

فاتورة عالمية من قناة السويس إلى رأس الرجاء الصالح

يكشف التقدير حجم الرهان بأرقام لافتة؛ فإغلاق هرمز وباب المندب في الوقت نفسه يضع، وفق حساباته، نحو 30% من الشحن العالمي بالحاويات و22% من الإمداد النفطي العالمي في دائرة الخطر.

وهنا لا تعود المسألة يمنية أو حتى إقليمية؛ لأن اضطراب ممر بهذا الحجم ينتقل مباشرة من شركات الملاحة والتأمين إلى الاقتصاد العالمي.

وتظهر مصر في مقدمة المتضررين مباشرة؛ فقناة السويس تعتمد على تدفق الملاحة من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. ويشير التقدير إلى أن إيراداتها تتراوح في الظروف الطبيعية بين سبعة وعشرة مليارات دولار سنويا، وقد بلغت نحو 9.4 مليار دولار في السنة المالية 2023؛ ومن ثم يرتبط أمن باب المندب مباشرة بحركة القناة وإيراداتها.

ويبقى أمام السفن طريق رأس الرجاء الصالح، لكن التقدير يحسب فاتورة هذا البديل: نحو 3500 ميل بحري إضافي للرحلة بين آسيا وأوروبا، وما بين 10 و14 يوما إضافية، فضلا عن زيادة في استهلاك الوقود تقارب مليون دولار للرحلة الواحدة بالنسبة إلى السفن الكبيرة.

ولا تتوقف التكلفة عند الوقود؛ فهناك ارتفاع أقساط التأمين وتكاليف الأطقم، كما أن طول الرحلات يبقي جزءا أكبر من الأسطول العالمي في البحر لفترات أطول، ويقلل السعة المتاحة ويرفع أسعار الشحن ويؤخر التسليم، ويدفع المصانع إلى الاحتفاظ بمخزونات أكبر. وهكذا تنتقل الفاتورة من السفينة إلى سلسلة الإمداد ثم إلى المستهلك.

ولا يتعامل التقدير مع هذه المخاطر باعتبارها احتمالات نظرية فقط. فبعد إعلان الحوثيين الحصار على الملاحة السعودية، انخفض عدد السفن العابرة للمضيق من 354 سفينة في أسبوع إلى 269 في الأسبوع التالي، أي بنسبة 24%، ومر يوم كامل من دون عبور ناقلة نفط واحدة، بينما انخفض عبور ناقلات الأسطول النظامي 42% في الأسبوع الأول. ثم استعادت الحركة جزءا من مستوياتها، لكنها بقيت دون المعدلات الطبيعية.

وهذا يعني أن الحوثيين ليسوا مضطرين إلى إغلاق المضيق حتى يؤثروا فيه؛ فالتهديد نفسه قادر على تغيير قرارات شركات الشحن ورفع تكاليف التجارة.

ويمتد أثر ذلك مباشرة إلى قناة السويس، فما يحدث في باب المندب يظهر لاحقا في أرقام العبور بالقناة وفي إيراداتها.

أما الولايات المتحدة، فيقرأ التقدير موقفها باعتباره محددا لسقف تدخلها؛ فالأولوية الأمريكية هي حماية المصالح الأمنية الأساسية وحرية الملاحة، مع دفع الشركاء الإقليميين إلى تحمل دور أكبر في مواجهة التحديات الأمنية. وتشير المادة إلى أن الخارجية الأمريكية عدت حماية الشحن التجاري في البحر الأحمر وهرمز أولوية قصوى، من دون أن يعني ذلك تلقائيا تدخلا عسكريا أمريكيا مباشرا في كل مواجهة.

مصدر الصورة سفينة تعبر قناة السويس وسط مخاوف من تأثر الملاحة بها (غيتي )

لماذا قد يبقي الحوثيون باب المندب مفتوحا؟

يصل التقدير هنا إلى واحدة من أكثر أفكاره أهمية: إغلاق باب المندب بالكامل قد لا يكون في مصلحة الحوثيين أنفسهم.

إعلان

فقيمة المضيق بالنسبة إليهم تكمن في القدرة على التهديد والتأثير في حركة الملاحة. أما إغلاقه تماما فقد يحول الأزمة إلى مواجهة دولية مباشرة، ويدفع القوى الكبرى إلى فرض ترتيبات لتأمين الممر، بما قد يقلل في النهاية قدرة الحوثيين وغيرهم من القوى المحلية على التحكم في السواحل والجزر اليمنية.

كما أن الإغلاق لن يصيب الولايات المتحدة وأوروبا وحدهما؛ فالصين تعتمد بدورها على طريق البحر الأحمر وقناة السويس في جانب من تجارتها مع أوروبا، وأي اضطراب طويل يعني ارتفاع تكلفة النقل وتأخر البضائع وانخفاض هوامش أرباح المصدرين الصينيين. وهكذا تتقاطع مصلحة أوروبا والصين عند ضرورة إبقاء باب المندب مفتوحا.

ولهذا يرجح التقدير أن يكون الاستخدام الأكثر فاعلية للمضيق بالنسبة إلى الحوثيين هو إبقاء التهديد قائما واستهداف أو تهديد سفن محددة، وليس إغلاق الممر بالكامل. فالمضيق يحتفظ بقيمته كورقة ضغط ما دامت إمكانية التصعيد موجودة، أما استخدام الورقة إلى أقصى حد فقد يؤدي إلى فقدانها.

ويرجح التقدير، بناء على ذلك، استمرار الضغط على حركة الملاحة من دون إغلاق كامل؛ بحيث ترتفع المخاطر أمام بعض السفن بينما يسمح لأخرى بالعبور. وقد يقود هذا السيناريو إلى تراجع إضافي في حركة الملاحة يتراوح بين 10 و25%، مع ارتفاع تكاليف التأمين والنقل واستمرار الضغط على إيرادات قناة السويس. ويأتي بعده احتمال التصعيد المتقطع ضد سفن محددة، بينما يظل الإغلاق الكامل أقل السيناريوهات ترجيحا بسبب تكلفته واحتمال استدعائه تدخلا دوليا واسعا.

ويدفع اليمن نفسه ثمنا مرتفعا لهذا الوضع؛ فزيادة التأمين وأجور الشحن على موانئ الحديدة وعدن والمخا ترفع تكلفة الواردات في بلد يعتمد على الخارج في معظم احتياجاته من الغذاء والوقود، بما ينعكس على أسعار السلع وقيمة الريال والقدرة الشرائية وإيرادات الموانئ والجمارك والمساعدات الإنسانية.

وفي المقابل تخسر مصر من تراجع حركة قناة السويس، وتتحمل السعودية تكاليف لوجستية أكبر، بينما تدفع أوروبا والصين المزيد مقابل النقل والشحن.

من تهديد الملاحة إلى "سلطة جباية بحرية"

يذهب التقدير في النهاية إلى السيناريو الأكثر إثارة: ألا يكتفي الحوثيون بمهاجمة السفن أو منع بعضها من المرور، وإنما يتحولوا إلى "سلطة جباية بحرية" تفرض رسوما أو تصاريح عبور على السفن.

وهنا تتغير طبيعة القضية تماما؛ لأن دفع السفن بصورة منتظمة لن يكون مجرد مورد مالي للحوثيين، وإنما يمكن أن ينشئ واقعا جديدا يمنحهم اعترافا ضمنيا بقدرتهم على التحكم في الممر.

وسيتحول الابتزاز عندئذ من إجراء مؤقت إلى نظام إتاوة دائم، بينما تبدأ شركات الشحن والتأمين في التعامل مع الرسوم والمخاطر باعتبارها تكلفة ثابتة من تكاليف المرور، وليس أزمة عابرة.

لكن نجاح الحوثيين في بناء هذا النظام يحمل في داخله خطرا عليهم؛ فتحويل السيطرة إلى جباية منتظمة قد يكون أحد العوامل التي تعجل بتدويل حماية باب المندب، لأن المسألة لن تعود تهديدا أمنيا متقطعا، بل محاولة لفرض سلطة فعلية على ممر دولي.

ولهذا يحدد التقدير مؤشرات ينبغي مراقبتها لمعرفة اتجاه الأزمة: عدد السفن العابرة، وحركة ناقلات النفط، وأقساط التأمين، والأهم ظهور أية محاولة لفرض رسوم أو تصاريح عبور على السفن؛ لأن المؤشر الأخير يعني أن الوضع انتقل إلى مرحلة مختلفة.

وبذلك لا يتمثل السيناريو الأخطر بالضرورة في أن يستيقظ العالم ليجد باب المندب مغلقا، بل ربما في أن يبقى المضيق مفتوحا، لكن المرور فيه يصبح أغلى وأخطر وخاضعا بدرجات متفاوتة لإرادة الحوثيين.

وعندئذ يتغير السؤال من: هل يستطيع الحوثيون إغلاق باب المندب؟ إلى: هل يستطيعون إبقاءه مفتوحا بشروطهم، ومن سيدفع ثمن المرور؟

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا