تدخل حملة الضغط الاقتصادي الأميركية على إيران مرحلة أكثر شدة، مع تضييق منافذ الالتفاف على العقوبات وتراجع قدرة طهران على تصدير النفط وتحويل عائداته إلى سيولة، وسط تباين في تقدير أهداف واشنطن بين انتزاع تنازلات سياسية وإحداث تغيير داخلي قد يصل إلى إسقاط النظام.
وفي قراءتهم للمشهد خلال حديثهم إلى "الظهيرة" على سكاي نيوز عربية، يتفق خبراء على أن طهران تواجه ضغوطا متصاعدة، لكنهم يختلفون بشأن قدرة العقوبات على تغيير سلوكها والمآلات السياسية للحصار.
منافذ الالتفاف تضيق
يرى الخبير في الشؤون الإيرانية نبيل الحيدري أن الفارق الأساسي في المرحلة الحالية يتمثل في إغلاق كثير من المنافذ التي استخدمتها إيران سابقا للالتفاف على العقوبات في أوروبا و الولايات المتحدة و كندا، بعدما بدأت الدول والجهات التي ساعدتها تخشى العقوبات المرتبطة بالدولار.
ويستدل الحيدري على حجم الأزمة بتراجع قيمة العملة الإيرانية وتصريحات صدرت عن مستويات عليا في السلطة، بينها الرئيس مسعود بزشكيان ومسؤولون اقتصاديون ومدير البنك المركزي، عكست، وفق قراءته، صعوبة تصدير النفط والحصول على عائداته.
وأشار إلى ارتفاع معدلات الفقر وأسعار المواد الغذائية، وظهور طوابير أمام محطات الوقود وإغلاق بعضها، معتبرا أن هذه الأوضاع تغذي غضبا متزايدا في الشارع قد يتحول إلى ما وصفه بـ"ثورة الجياع".
ولا يحصر الحيدري الخطر في الاحتجاجات الشعبية، بل يربطه أيضا باحتمال تحرك البازار، بالنظر إلى دوره التاريخي في الثورة الإيرانية، معتبرًا أن النظام يمر بإحدى أضعف مراحله.
الصين وروسيا.. حسابات المصالح
ويضع الحيدري الصين في قلب معادلة الضغط، إذ تشتري الجزء الأكبر من النفط الإيراني بأسعار تفضيلية، لكنها تتحرك وفق مصالحها الاقتصادية. وأشار إلى رفض بكين استقبال رئيس المفاوضات الإيراني، وإلى شروط ربطها بمضيق هرمز والعلاقات مع دول الخليج.
كما لفت إلى عدم حصول إيران على المعدات التي قالت إن الصين و روسيا وعدتا بتوفيرها لمواجهة الحرب الأميركية. ويرى أن حجم العلاقات الاقتصادية بين بكين وواشنطن يدفع الصين إلى تقديم مصالحها مع الولايات المتحدة على علاقتها بإيران.
ويمتد الضغط، بحسب الحيدري، إلى قدرة الحرس الثوري وفيلق القدس والميليشيات والخلايا المرتبطة بطهران على تحويل الأموال. ويعتبر أن قطع هذه القنوات يهدد منظومة النفوذ الإيراني، خصوصًا مع تراجع قوة بعض حلفاء طهران واستمرار اعتمادها على الميليشيات العراقية والحوثيين.
تنازلات أم إسقاط للنظام؟
من جانبه، يرى الباحث السياسي شارل جبور أن الضغط الاقتصادي يهدف إلى تحقيق ما لم تتمكن واشنطن من إنجازه عسكريا، ولكن بكلفة أقل. ويحدد للمسار هدفا مرحليا يتمثل في إنهاء ما وصفه بالابتزاز الإيراني في مضيق هرمز، وآخر نهائيًا يتعلق بالملف النووي.
وبحسب جبور، فإن الرسالة الأميركية لطهران تؤكد استمرار المواجهة، سواء اتخذت طابعا اقتصاديا أو عسكريا، وأن الخيارات تنحصر بين القبول بالشروط الأميركية أو مواجهة مسار قد ينتهي بإسقاط النظام، مع بقاء احتمال العودة إلى الضربات العسكرية.
ويرى أن ما بعد السابع من أكتوبر فرض تعاملًا مختلفا، بالتوازي مع تغيير إسرائيل قواعد تحركها. لكنه لا يلمس حتى الآن استعدادا إيرانيا لتقديم تنازلات، بسبب استمرار سيطرة التيار المتشدد على القرار، مع احتمال استثمار طهران حاجة واشنطن إلى فتح المضيق للحصول على هدنة ومقابل سياسي.
استراتيجية طويلة النفس
أما الخبير في الشؤون الأميركية عقيل عباس، فيحدد أهداف واشنطن القريبة بمنع حرب واسعة تؤثر على الانتخابات النصفية الأميركية، ودفع إيران إلى التفاوض بشأن الملف النووي والأذرع الإقليمية و الصواريخ الباليستية.
ويؤكد عباس أنه لا توجد، وفق قراءته، خطط أميركية استراتيجية جاهزة لإطاحة النظام، رغم وجود رغبة لم تتحول إلى خطوات عملية. لكنه يرى أن استمرار الضغط قد يفجر صراعا داخليا بين السلطة والمجتمع، يقود إلى تغييرات جوهرية أو وصول قوى إصلاحية أو إسقاط النظام.
ويستبعد عباس سيناريو الانقلاب العسكري بسبب طبيعة شبكات السلطة الأمنية والعسكرية، مرجحا أن يأتي التغيير المحتمل عبر احتجاج شعبي واسع تغذيه الظروف الاقتصادية.
وتتقاطع القراءات الثلاث عند أن واشنطن تعتمد استراتيجية مركبة تجمع بين الحصار البحري والضغطين الاقتصادي والعسكري والاستثمار في عامل الوقت، بينما يبقى الخلاف قائمًا بشأن نهايتها: تنازلات إيرانية، أم تغيير من الداخل، أم تصعيد جديد يعيد المواجهة العسكرية إلى الواجهة؟.
المصدر:
سكاي نيوز