تأتي استقالة جعفر فرح في ظل أجواء سياسية مشحونة، ومع اقتراب الانتخابات وما يرافقها من نقاشات حادة داخل المجتمع العربي. وقد أثارت الاستقالة جدلًا واسعًا حول تداعياتها على القائمة المشتركة وعلى نسبة التصويت العربي في الانتخابات المقبلة.
في المقابل، تطرح القضية تساؤلات حول الجهات التي مارست ضغوطًا للمطالبة باستقالته، وحدود المحاسبة ودور القضاء في مثل هذه القضايا. وبين الدعوات إلى الوحدة السياسية والمحاسبة، تتواصل النقاشات حول تأثير هذه التطورات على المشهد السياسي العربي وعلى نتائج الانتخابات.
وحول هذا الموضوع تحدث موقع "بكرا" مع البروفيسور رياض اغبارية.
ما تبعات استقالة جعفر فرح على المشتركة وعلى الساحة السياسية بشكل عام؟
التبعات لا تُقاس بمصير شخص واحد، بل بما ستفعله هذه الزوبعة بصناديق الاقتراع. المشتركة لا تخسر أصواتها لصالح منافس عربي، بل تخسرها لصالح البيت: المتردد الذي كان يحتاج إلى سبب واحد ليبقى في داره، حصل عليه الآن. والمعادلة في مجتمعنا واضحة منذ سنوات: كل نقطة تتراجع فيها نسبة التصويت العربي تتحول إلى مقعد في الطرف الآخر. الطرف الآخر هذه المرة ليس أي طرف، بل سموتريتش وحزب "עמך" الجديد بقيادة فينتر ويوسف حداد، وكلاهما يقف على حافة نسبة الحسم؛ الأصوات التي ستنقص منّا هي بالضبط ما ينقصهم للعبور.
لذلك قلت إن المشتركة ستخسر مقعدين على الأقل، وأضيف: في خارطة سياسية تُحسم بمقعد أو مقعدين، قد يكون هذان هما الفارق بين حكومة تسقط وحكومة تعود. من يظن أن هذه قضية داخلية في حزب أو جمعية يخطئ التقدير؛ الفاتورة ستصل إلى كل بيت عربي، من النقب إلى الجليل. وقد أعذر من أنذر.
كيف تنظر إلى الجهات التي وصفتها بـ"المحاكم الميدانية"، والتي مارست ضغوطًا وطالبت باستقالة فرح أو فعّلت تهديدات معينة؟
أنا لست محاميًا عن أحد، ولا أملك أن أحكم في وقائع لا أعرفها. موقفي من التحرش لا يحتمل التأويل: أشدّد على معاقبة كل متحرش، مهما علت مكانته، ولا حصانة لاسم ولا لمنصب. لكن هذا الموقف نفسه هو ما يجعلني أرفض ما جرى، لأن العقاب حق لا يُمنح إلا بعد محاكمة، وكل متهم بريء حتى تثبت إدانته، والحكم يصدر عن قاضٍ لا عن منشور. الإعدام ليس حبل مشنقة أو كرسيًا كهربائيًا فحسب؛ اغتيال إنسان معنويًا بلا محاكمة إعدام أيضًا، وجاهل من يظن غير ذلك.
ثم سؤال لا بد منه: إذا كانت بحوزة الجمعيات النسوية سبع شكاوى وإثباتات، كما تقول، فلماذا الصمت كل هذه السنوات؟ أليس الساكت عن التحرش شيطانًا أخرس؟ كان الواجب، وكان ممكنًا، أن تُقنع ولو واحدة من المشتكيات بالتوجه إلى الشرطة والمثول أمام القضاء حينها، لا أن يُفتح الملف في ذروة حملة انتخابية مصيرية. الحق الذي يُطرح بتوقيت سياسي يخسر جزءًا من صدقيته، حتى لو كان حقًا.
وأختم بما بدأت به في منشوري: لكل شيء وقته. نحن أمام خطر وجودي وحكومة عنصرية تريد اقتلاعنا، والوقت الآن هو للوحدة والعمل كتفًا بكتف لإسقاطها، لا للمحاسبات والانتقامات. المحاسبة لا تسقط بالتقادم، لكن مكانها القضاء، وزمانها بعد المعركة، لا في منتصفها.
المصدر:
بكرا