آخر الأخبار

الضفة تقترب من الانتفاضة الثالثة.. من يشعل الفتيل؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تتصاعد وتيرة اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، في مشهد يتجاوز، وفق ما أورده مراسلو الجزيرة ومحللوها، حدود الهجمات المتفرقة على الفلسطينيين إلى مسار أوسع يرتبط بتوسيع الاستيطان وفرض وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة على الأرض.

وفي قلب هذا التصعيد، تبرز بلدة قصرة جنوب نابلس، حيث يتواصل حصار ثلاث عائلات فلسطينية في محيط جبل رأس العين لليوم 21، بالتزامن مع هجمات للمستوطنين وقيود تفرضها القوات الإسرائيلية على الوصول إلى المنازل المحاصرة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تحذر فيه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وفق ما أكده مراسل الجزيرة في فلسطين إلياس كرام، من أن استمرار عنف المستوطنين قد يخرج عن السيطرة ويدفع نحو اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة.

هجوم مدبر ودور للجيش

وقال إلياس كرام إن الهجوم الذي نفذه المستوطنون في الضفة كان، وفق مقاطع الفيديو التي انتشرت، «مدبرا ومخططا له»، مشيرا إلى ظهور مستوطنين وهم يتجهون بمركبات رباعية الدفع نحو منازل الفلسطينيين. وأضاف أن معظم هؤلاء المستوطنين، بحسب ما رصده، يخدمون في الجيش الإسرائيلي أو في قوات الاحتياط، وأن بعضهم ما زال في الخدمة الفعلية، كما أشار إلى أن عددا منهم مسلحون بأسلحة تابعة للجيش الإسرائيلي.

وتعكس طريقة تعامل القوات الإسرائيلية مع هذه الهجمات مستوى من التداخل بين الجيش والمستوطنين، وتظهر وقائع وصول قوات إسرائيلية إلى مواقع الاعتداء تحت عنوان فض الاشتباك، بينما لا تنتهي العملية باعتقال المستوطنين المشاركين في الهجمات، وقد يطال إطلاق النار في المقابل فلسطينيين يحاولون التصدي للاعتداءات أو الدفاع عن أنفسهم.

ويرى كرام أن هذا المشهد يضع إسرائيل أمام معادلة سياسية وأمنية معقدة؛ فهي تحاول، من جهة، إظهار نفسها أمام المجتمع الدولي والولايات المتحدة باعتبارها دولة قانون، لكنها تواجه، من جهة أخرى، انتقادات متزايدة بسبب تصاعد عنف المستوطنين.

تحذيرات إسرائيلية من انتفاضة ثالثة

ويكتسب التصعيد الحالي أهمية إضافية بسبب تحذيرات صادرة عن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن استمرار عنف المستوطنين قد يقود إلى خروج الوضع عن السيطرة، وهناك اتهامات داخل إسرائيل لوزيري المالية بتسلئيل سموتريتش والأمن القومي إيتمار بن غفير بالتواطؤ مع عنف المستوطنين والتحريض عليه، باعتبارهما من أبرز الداعمين للمشروع الاستيطاني في الحكومة الإسرائيلية.

إعلان

وترى المؤسسة الأمنية أن استمرار هذا المسار يمكن أن يقود إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة، ولذلك وضع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، احتمال تدهور الأوضاع في الضفة خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة ضمن حساباته، مع إبقاء فرقة عسكرية إضافية على أهبة الاستعداد للتدخل.

وهذه التحذيرات تكشف عن مفارقة أساسية: فالتصعيد الذي تسعى أطراف في اليمين الإسرائيلي إلى استخدامه لفرض وقائع جديدة على الأرض قد يتحول، من منظور المؤسسة الأمنية، إلى مصدر تهديد للأمن الإسرائيلي نفسه.

قصرة.. نموذج مصغر للصراع على الأرض

وتقدم قصرة صورة واضحة عن طبيعة هذا الصراع، وقال رئيس بلدية قصرة عبد العظيم وادي للجزيرة إن الحصار المفروض على ثلاثة منازل في محيط جبل رأس العين دخل يومه الـ 21.

وأوضح أن المنطقة مصنفة "ب" وفق اتفاقية أوسلو، مشيرا إلى أن المستوطنين نفذوا هجوما جديدا على أحد المنازل القريبة من المنازل الثلاثة المحاصرة، في ظل وجود كثيف للمستوطنين في محيط جبل رأس العين ودعم من القوات الإسرائيلية.

وأضاف وادي أن القوات الإسرائيلية ركبت خلال 48 ساعة ثلاث بوابات حديدية، إلى جانب مكعبات إسمنتية، لمنع المواطنين من الوصول إلى المنازل المحاصرة. ويقول رئيس البلدية إن سكان المنطقة يعيشون حالة من الخوف والتوتر والقلق، خصوصا مع استمرار حصار العائلات الثلاث، متسائلا عن مصيرها وما إذا كانت ستتمكن من البقاء في جبل رأس العين أو ستضطر إلى الانتقال إلى وسط بلدة قصرة.

الحلقة الأكثر حساسية

وتبرز منطقة " إي 1" باعتبارها إحدى أكثر النقاط حساسية في الصراع على جغرافيا الضفة الغربية. ويقول الأكاديمي والخبير بالشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى إن المشروع الاستيطاني الحالي يسعى إلى تحقيق تواصل جغرافي بين المستوطنات والبؤر الاستيطانية، إما عبر السيطرة على الأراضي الفلسطينية أو من خلال إنشاء الطرق الالتفافية.

ويرى مصطفى أن مشروع "إي 1" يمثل جزءا من هذه المنظومة، وأن تنفيذه يمكن أن يعرقل التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، بما يضعف إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا. ويحدد مصطفى ثلاثة أهداف أساسية يراها وراء المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية:


* منع قيام دولة فلسطينية
* ضم الضفة أو أجزاء منها
* دفع الفلسطينيين إلى النزوح داخل الضفة أو خارجها

وبحسب رؤيته، فإن الأشهر الأخيرة شهدت تكثيفا كبيرا للجهود الاستيطانية بهدف فرض وقائع يصعب على أي حكومة إسرائيلية مستقبلية التراجع عنها.

لماذا تصاعد العنف الآن؟

من وجهة نظر تحليلية، لا يبدو تصاعد اعتداءات المستوطنين منفصلا عن السباق لفرض حقائق على الأرض قبل أي تغير سياسي محتمل داخل إسرائيل. ويقول مهند مصطفى إن زيادة وتيرة العنف ترتبط بمحاولة تثبيت وقائع يصعب تفكيكها مستقبلا، خصوصا في المناطق التي تشكل حلقات وصل بين التجمعات الاستيطانية.

ويتقاطع هذا التحليل مع ما قاله إلياس كرام بشأن البعد السياسي الداخلي؛ إذ أشار مراسل الجزيرة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتباهى بتوسيع الاستيطان، وقال إنه أعلن خلال مراسم في مستوطنات الضفة نجاح حكومته في إقامة 104 مستوطنات جديدة خلال ولايتها، إلى جانب 160 مزرعة رعوية استيطانية.

إعلان

ويرى كرام أن هذه السياسة تخدم نتنياهو سياسيا، رغم ما تسببه من انتقادات دولية. لكن المفارقة، وفق تحليله، أن تكريس الاستيطان قد يضر على المدى البعيد بصورة إسرائيل ومكانتها الدولية، كما قد يقوض عمليا إمكانية الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

الدولة الواحدة.. نتيجة عكسية محتملة

وهنا تبرز إحدى أكثر النتائج السياسية حساسية. فخصوم نتنياهو، بحسب ما نقله كرام، يرون أن استمرار التوسع الاستيطاني يؤدي إلى عزل إسرائيل دوليا ويقوض فرص إقامة دولة فلسطينية. أما النتيجة الأخرى المحتملة فهي، وفق تحليله، الانتقال نحو واقع الدولة الواحدة ثنائية القومية.

ويستند هذا الطرح إلى واقع ديموغرافي يشير إلى أن عدد الفلسطينيين بين البحر والنهر، وفق ما أورده كرام، أصبح أعلى بقليل من عدد اليهود الإسرائيليين. ومن ثم، فإن محاولة منع قيام دولة فلسطينية عبر الاستيطان قد تقود، وفق هذا الطرح، إلى نتيجة مختلفة، أي دولة واحدة يعيش فيها الفلسطينيون والإسرائيليون في إطار سياسي واحد، وهو السيناريو الذي يرى خصوم نتنياهو أنه قد يهدد طبيعة إسرائيل وهويتها التي تقوم عليها رؤيتها لنفسها كدولة يهودية.

حماية المستوطنين والخوف من الانفجار

يرى الخبير العسكري والإستراتيجي إلياس حنا، أن الجيش الإسرائيلي يتعامل مع الضفة عبر مستويات متعددة، تشمل الأمن المرتبط بالمستوطنات، والألوية الإقليمية، وفرقة "يهودا والسامرة"، إلى جانب قوات مخصصة لمنطقة غور الأردن.

وبحسب حنا، فإن هذا الانتشار يعكس استعدادا للتعامل مع احتمالات مختلفة في الضفة، في وقت تجري فيه تدريبات عسكرية في مناطق عدة. ويرى حنا أن أهمية قصرة لا تكمن فقط في الهجمات التي شهدتها، وإنما في موقعها الجغرافي. فالبلدة، وفق قراءته، تقع بين مستوطنات وبؤر استيطانية، ما يجعل السيطرة على محيطها أو عزلها جزءا من مشروع أوسع لربط التجمعات الاستيطانية ببعضها.

ويشير إلى مشاريع الطرق الالتفافية بوصفها إحدى الأدوات المستخدمة لتحقيق هذا الهدف، بحيث تصبح التجمعات الفلسطينية أكثر عزلة بينما تتصل المستوطنات ببعضها. ويصف حنا المعادلة بأنها عملية "عزل ووصل": عزل الديموغرافيا الفلسطينية ومنع التواصل بين التجمعات، مقابل وصل المستوطنات والسيطرة على الطرق والتلال والمواقع ذات الأهمية الجغرافية.

وأشار إلى وجود نحو 920 حاجزا ثابتا ومتنقلا في الضفة الغربية، وفق المعطيات التي أوردها في النقاش، بما يضيف بعدا آخر للتحكم في حركة الفلسطينيين والزمن الذي يستغرقونه في التنقل بين المناطق.

هل تقترب الضفة من انفجار؟

تجمع هذه التطورات بين ثلاثة مسارات متداخلة:


* الأول، تصاعد العنف الميداني للمستوطنين، الذي يشمل الاعتداء على المنازل والمركبات والأراضي والممتلكات، وفق ما ورد في النقاش.
* الثاني، تسارع الاستيطان ومشاريع ربط المستوطنات، بما يغير شكل الضفة الغربية ويضعف التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية.
* الثالث، التحذيرات الأمنية الإسرائيلية نفسها، التي تشير إلى أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى انفلات الوضع واندلاع انتفاضة فلسطينية جديدة.

ومن هنا تكمن خطورة المرحلة الحالية، فالمستوطنون لا يتحركون في فراغ، والاستيطان لا يجري بمعزل عن شبكة الطرق والسيطرة على الأراضي، بينما تتعامل المؤسسة العسكرية مع احتمال انفجار أمني أكبر. في المقابل، يعيش الفلسطينيون، وفق ما يصفه رئيس بلدية قصرة، تحت ضغط متزايد يستهدف قدرتهم على البقاء في مناطقهم.

من حصار ثلاثة منازل إلى معركة على مستقبل الضفة

قد تبدو قصة العائلات الثلاث المحاصرة في قصرة حادثة محلية، لكن ما يجري حولها يكشف جانبا من صراع أكبر على الأرض.. بوابات حديدية.. مكعبات إسمنتية.. مستوطنون يهاجمون المنازل.. قوات إسرائيلية تنتشر في المنطقة.. عائلات فلسطينية تحاول البقاء. وفي الخلفية، تتحرك مشاريع استيطانية وطرق التفافية وخطط لربط المستوطنات وعزل التجمعات الفلسطينية.

إعلان

لذلك فإن السؤال لم يعد فقط عن عدد الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون، وإنما عن الهدف السياسي والجغرافي الذي يمكن أن تنتج عنه هذه الاعتداءات عندما تتزامن مع توسع الاستيطان والسيطرة على الأراضي والتهجير.

أما التحذيرات الإسرائيلية من انتفاضة جديدة، فتشير إلى أن تداعيات هذا المسار قد لا تبقى محصورة في الفلسطينيين وحدهم. فالضفة الغربية تقف أمام معادلة شديدة الحساسية، كلما توسع الاستيطان وتصاعد عنف المستوطنين، تقلصت المساحة المتاحة أمام الحل السياسي، وازدادت احتمالات الانفجار الأمني.

وفي قصرة، حيث دخل حصار ثلاث عائلات يومه الـ 21، تبدو هذه المعادلة مجسدة على الأرض، صراع على منزل، لكنه في جوهره صراع على البقاء والجغرافيا ومستقبل الضفة الغربية بأكملها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا