في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- لم يكن الموت ثقيلا على أكتاف الرجال هذه المرة، كان وزنه خفيفا لا يتعدّى وزن جمجمة وهيكل من عظم.
أكفان رخوة يركض بها المشيّعون الذين انتظروا زفاف الموت إلى مثواه الأخير بعد أعوام من الانتظار.
موكب جنائزي مهيب يتقدّمه نعش مختار العائلة، شاهد على سلالة أُبيد منها 308 أرواح، وهم ضحايا مجزرة ارتكبها الاحتلال في الشهر الثاني من حرب الإبادة التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بحق عائلتي أبو شريعة والحساينة، انتُشلت جثامين 112 منهم وكان اليوم وداعهم.
اليوم وبعد عدة أشهر انفرط البكاء دفعةً واحدة، زغاريد النساء المطلّات من هياكل البيوت المحيطة العالقة في حناجرهن من أجل هذا الوداع الأخير، وأخريات ينثرن حفنات من الأرز والورد على الأكفان العابرة، كأنهن يؤدين طقس الوداع الذي اختطفته الحرب قبل أشهر.
وفيما بدا أن المدينة بأكملها تحاول استدراك وداع سُرق منها طويلا، فإن الغزيين يواسون بعضهم بأن "زفاف الروح لا يتأخر".
على بُعد خطوات من المنزل الذي ابتلعته الأرض، ونصبت الحرب فوقه شاهدًا على واحد من أبشع فصول الإبادة، أقيمت منصة كبيرة سُجّيت عندها الأكفان الملتفة بالعلم الفلسطيني، وثُبتت عليها صور أصحابها، التي لا تشبه ما آل إليه الجسد في الداخل.
بدأت الحكاية التي انتهت اليوم في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، مع توغل الآليات الإسرائيلية في حي الصبرة شرقي مدينة غزة، حيث بدأت القذائف تتساقط على المنطقة، وفق رواية المتحدث باسم العائلة للجزيرة نت أبو علي أبو شريعة.
تحت وقع القصف، تنقلت عائلتا أبو شريعة والحساينة بين البيوت بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، حتى لجأ المئات إلى منزل الوزير السابق مفيد الحساينة، ظنًا منهم أن المنزل قد يكون أكثر حصانة، غير أنه يحوي قبوًا أرضيًا، احتمى فيه 308 من أفراد العائلة، من أطفال ونساء ورجال، على اعتبار أنه أكثر أمانًا قبل أن يتحول إلى قبر، باستهدافه في مساء اليوم ذاته بحزام ناري من 9 قنابل، لينهار فوق من احتموا به.
في موقع الجنازة، بحثت الجزيرة نت عن ناجين من المجزرة، فكان أغلب الشهود فتيانًا حملوا ذاكرة الإبادة.
يقف عبد الله أبو شريعة، ابن الخامسة عشرة، بين المشيعين اليوم، يودع أعمامه وأبناء عمومته وعشرات من أفراد عائلته، يستعيد الساعات الأخيرة قبل المجزرة، حين نزح المئات منهم بين البيوت بحثًا عن مساحة نجاة.
يقول عبد الله إن أفراد العائلة استقروا أخيرا في منزل الحساينة، وبعدما قصف الاحتلال الحديقة الخارجية بصاروخ خرج عدد منهم فيما بقي 305 داخله، وفي الليل سمعوا صوت حزام ناري في المحيط ولم يعرفوا مكانه غير أن خطورة الوضع الأمني حالت دون خروجهم ليلا لتفقد البيوت المحيطة، ومع بزوغ الصباح لم يجد الناجون طبقات المنزل، بل أثرا لمكان كان يحتضن أجيالا كاملة داخله.
جثامين متناثرة، ونيران تلتهم ما تبقى من المبنى، وركام يبتلع المئات، غير أن محاولة الوصول إلى الضحايا لم تكن ممكنة كما يروي عبد الله، إذ إن كل من حاول الاقتراب من المكان كان يواجه خطر الاستهداف، لتبقى الجثامين عالقة تحت الأنقاض حتى فترات الهدنة، التي تمكنت فيها العائلة من انتشال 155 شهيدا في حين تبقّى 153.
أمّا عز الدين أبو شريعة أحد أعضاء مجلس العائلة، فقد كشف عن حجم المأساة الكامنة في التفاصيل، حيث إن من تبقّى كان من بينهم 44 طفلا، و37 امرأة، و7 مسنين تجاوزت أعمارهم الـ70 عاما، إضافة إلى 9 من ذوي الاحتياجات الخاصة.
ويتساءل عز الدين عن سبب استهداف العزّل، مطالبًا الجهات الحقوقية والدولية بفتح تحقيق عاجل في المجزرة، ويقول: "من يحاجج إسرائيل في جريمة الحرب هذه؟!".
ويعبّر عز الدين عن قسوة ما تشعر به العائلة، حيث إن الجنازة رغم أنها أعادت بعض الأجساد إلى أصحابها، أعادت معها وجعا لم ينتهِ.
وفي ذروة هذا المشهد حمل المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل جثمان طفل صغير بيد واحدة، ورفعه أمام الجموع والكاميرات، قبل أن يطلق صرخته التي اختصرت وجع المكان: "بأي ذنب قُتلت؟".
وفي مقابلة مع الجزيرة نت، قال بصل إن طواقم الدفاع المدني عادت إلى موقع المجزرة الشهر الماضي في 13 يوليو/تموز لمواصلة عمليات البحث والانتشال، واستمرت مهمتها حتى الأول من أغسطس/آب، بواقع 17 يوما و136 ساعة عمل ميدانية، تمكنت خلالها من انتشال 112 جثمانا من أصل 153، بينما بقي 41 جثمانا لم يُعثر لها على أي أثر حتى الآن.
ولم تكن مهمة طواقم الدفاع المدني في انتشال الجثامين تنتهي بإخراجها من تحت الركام، فالمهمة الأصعب بدأت بعد ذلك في إعادة الأسماء إلى أجساد غابت عنها الملامح، إذ إن كثيرًا منها لم تعد تحمل ملامح تدل على هويتها بعد مرور أشهر تحت الركام.
ويتابع أن العائلات اضطرت إلى البحث عن قرائن للاستدلال على أسماء أصحابها، ويقول: "عرفنا النساء من المصاغ الذهبي الذي كن يرتدينه وبعضهم من هوياتهم، وآخرون من ملابسهم أو هواتفهم أو البلاتين الذي في عظامهم".
ويضيف أن ما حملته هذه الجثامين لم يكن مجرد أرقام، بل قصص بشر حُرموا حقهم في الحياة، مؤكدًا أن استمرار فقدان المعدات يعطل استكمال ملف انتشال الضحايا في القطاع.
ومن أمام مشهد التشييع، يقول مسؤول لجنة العشائر في قطاع غزة، علاء العكلوك إنها "الجنازة التاريخية الأكبر في التاريخ الحديث"، ووجّه نداء إلى المجتمع الدولي مؤكدا أن إنهاء مأساة غزة يبدأ بإنهاء التجويع ورفع الحصار والسماح بإدخال المعدات اللازمة لانتشال من بقي تحت الأنقاض وإكرام الشهداء.
وأضاف أن المسؤولية اليوم تقع على المجتمع الدولي، قائلا: "الكرة الآن في ملعب المجتمع الدولي، ليقوم بدوره ويتحمل مسؤوليته تجاه الاعتداءات المستمرة التي لا يزال جيش الاحتلال يقوم بها ضاربًا بالاتفاقات والوساطات عرض الحائط".
ومع انفضاض أكبر جنازة شهدتها غزة في تاريخها الحديث، لم تنفض المدينة حزنها، فما زال نحو 8 آلاف مفقود يرقدون تحت الأنقاض، وخلف كل واحد منهم عائلة تنتظر أن تُطوى صفحة الانتظار، وأن يتاح لها أن تودع من غاب كما يليق بالبشر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة