في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في رسالة غير عادية ومفاجئة، ظهر الحاخام ذو اللحية البيضاء يغئال كوهين، عضو مجلس الحاخامية الكبرى في إسرائيل والذي يتمتع بحضور مؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي، في مقطع فيديو حظي برواج واسع، ليتوجه إلى أتباعه بمضمون غير مألوف.
فبدلا من تقديم تعليم من التوراة، كان يحثهم ويترجاهم لتجنب إغراء التجسس لصالح إيران قائلا: "لا سمح الله، هناك من يتعاون معهم، ليس هناك تجديف أعظم من رؤية يهودي ملتزم بالتوراة ومحافظ يخون شعبه"، محذرا من أن هذا الطريق ينتهي بالسجن وتدمير الحياة.
هذا التحذير لم يكن عشوائيا، بل جاء بعد أن طلب مسؤولون أمنيون إسرائيليون من الحاخام تحذير مستمعيه من أن عملاء إيرانيين يقومون بتجنيد أشخاص داخل إسرائيل عبر الإنترنت.
جاءت هذه الخطوة في وقت تكافح فيه السلطات الإسرائيلية لاحتواء مشكلة متصاعدة، حيث قدم المدعون الإسرائيليون في الأشهر الأخيرة لوائح اتهام في أكثر من 60 قضية شملت جنودا ومدنيين، متدينين وعلمانيين، ويهودا وعربا، بتهمة التجسس لصالح إيران وتنفيذ أفعال خلال وقت الحرب لتحقيق خططها في إسرائيل، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز .
وفقا للشرطة الإسرائيلية، ركزت إيران على تجنيد محققين هواة منخفضي المستوى منذ عملية طوفان الأقصى في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وزادت من تلك الجهود بعد هجوم إسرائيل الأول ضد إيران في يونيو/حزيران 2025.
وتعتمد هذه العمليات الإيرانية على أساليب تختلف تماما عن طرق التجسس المعقدة، إذ تصفها السلطات الأمنية والخبراء بأنها "رحلات صيد واسعة النطاق" ولكنها استكشافية تعتمد على الحظ، لدرجة أن آلاف الإسرائيليين تلقوا رسائل نصية قصيرة (SMS) تدعوهم علنا "للتعاون في مجال الاستخبارات"، عن طريق الاتصال بسفارة إيرانية في الخارج أو عميل إلكتروني عبر الإنترنت.
وفقا لتفاصيل كشفتها صحيفة نيويورك تايمز، تتم عملية التجنيد من خلال حث الإسرائيليين عبر الإنترنت على تصوير المواقع، والحصول على الأسلحة وإخفائها في موقع محدد، وربما حتى القتل.
وتقوم إيران بعملية بحث وتجنيد واسعة النطاق وعشوائية على الإنترنت غالبا عبر تطبيق تليغرام، دون تحديد أشخاص معينين مسبقا، باستخدام أسماء مزيفة وفي البداية يعرضون على المجندين الجدد أموالا سهلة مقابل مهام بسيطة، مثل التقاط صور فوتوغرافية أو لقطات فيديو لحيّهم، كما قالت السلطات الإسرائيلية.
ثم يصعّد الإيرانيون الطلبات بمرور الوقت إلى مهام مثل جمع معلومات حول البنية التحتية والأنظمة الحيوية، بما في ذلك الدفاعات الجوية الإسرائيلية، كما قالت الشرطة ومسؤول أمني سابق.
تُظهر مراجعة للقضايا التي تتم مقاضاتها أن المجندين ينحدرون من جميع مناحي الحياة الإسرائيلية، وهم في الغالب ذكور، ويشملون مهاجرين من الاتحاد السوفياتي السابق، وجنودا إسرائيليين نشطين وسابقين، وفقا للصحيفة.
تشير المعلومات إلى أن عمليات التجنيد نجحت في بعض الحالات، إذ تم فضح عدد من المشتبه بهم لتجسسهم لصالح إيران، وبعضهم نفذ أفعالا خلال وقت الحرب وساعدوا في تحقيق خططها في إسرائيل، وفقا لحديث المحقق في الشرطة، عميحاي بانيتا، في بيان نُشر أواخر الشهر الماضي.
وكان من بين أحدث المشتبه بهم الذين أُلقي القبض عليهم في 9 يونيو/حزيران، مواطن أمريكي كان يدرس في معهد ديني للأرثوذكس المتشددين في القدس، وهو متهم بالحفاظ على اتصال مع عميل مخابرات إيراني والإضرار بأمن الدولة بعد تصوير مواقع حساسة مقابل أجر، في حين رفضت السفارة الأمريكية في القدس التعليق مستشهدة بـ"الخصوصية واعتبارات أخرى"، ولم يرُد مسؤولو الحكومة الإيرانية على طلبات التعليق المرسلة عبر البريد الإلكتروني.
وفي 9 حالات على الأقل، تبين أن المجندين أعضاء من المجتمع الأرثوذكسي المتشدد، المعروفين باللغة العبرية باسم " الحريديم".
ورغم أن معظم الرجال الإسرائيليين الأرثوذكس المتشددين يرفضون أداء الخدمة العسكرية، فإن العديد منهم تماشوا مع العصر إذ يستخدمون الهواتف الذكية التي يمكنهم من خلالها الوصول إلى الإنترنت.
وقد أحدث هذا الاختراق ردود أفعال واسعة داخل المجتمع المتدين إذ قال إسرائيل كوهين، وهو معلق حريدي بارز ومؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي، إن الجمهور الحريدي كان "في حالة صدمة" في البداية بسبب التقارير التي تفيد بأن أعضاء من صفوفه عملوا لصالح إيران. لكنّ المجتمع سرعان ما "فهم الحاجة إلى التحذير من الخطر وإيقافه" قبل أن ينتشر أكثر.
وتُحدث هذه القضايا ارتباكا في الأوساط السياسية والقضائية في إسرائيل أيضا، إذ تخضع بعض القضايا لأوامر حظر النشر ويُستمع إليها خلف أبواب مغلقة وتُنشر تفاصيل قليلة حولها، كما هو الحال في العديد من مثل هذه القضايا الأمنية.
حكمت محكمة عسكرية على جندي بالسجن لمدة 5 سنوات بعد أن أرسل لقطات فيديو إلى عميل إيراني تُظهر اعتراضات الصواريخ خلال صراع يونيو/حزيران 2025.
ورغم أنه من غير الواضح مقدار الضرر الذي ألحقته جهود التجنيد الإيرانية عبر الإنترنت بإسرائيل، في مقابل الأضرار الكبيرة التي ألحقتها عمليات المخابرات الإسرائيلية بإيران وبقيادتها السابقة، فإن السلطات الإسرائيلية تأخذ هذه الجهود بجدية بالتأكيد.
ألقت الشرطة والشاباك القبض في أبريل/نيسان على رجل يبلغ من العمر 22 عاما من حيفا ووجهت إليه تهمة تصنيع متفجرات كجزء من مؤامرة لقتل شخصية سياسية إسرائيلية بارزة، وتجربة تفجيرات في موقف للسيارات، وتصوير ميناء حيفا ومواقع سقوط الصواريخ الإيرانية.
واتُهم جندي احتياطي من القدس خدم في وحدة " القبة الحديدية" بتزويد مشغّله بمواقع البطاريات وما لا يقل عن 7 قواعد جوية، بالإضافة إلى صور وفيديوهات لإجراءات تشغيل المنظومة وأسماء مجندين محتملين.
كما اعتقل الجيش مجنديْن يعملان فنييْن بقوات جوية حافَظا على اتصال مع عميل عبر تليغرام لمدة عام، ووُجهت إليهما تهمة مساعدة عدو للوصول لمعلومات حساسة حول الطائرات والرادارات.
وتضمنت واحدة من أكثر القضايا إثارة اتهام طالب علوم الحاسوب "مئير ناحوم" (24 عاما) وشقيقه الأكبر بانتحال صفة ضابط في وحدة الاستخبارات 8200 المرموقة عبر تليغرام وتزوير وثيقة عسكرية باستخدام "شات جي بي تي" (ChatGPT) تزعم تورط إسرائيل في تحطم طائرة رئيس إيران السابق إبراهيم رئيسي عام 2024.
كما قام الرجلان ببيع تفاصيل مواطن إيراني عشوائي للمشغل بزعم أنه مراقب لهجوم إسرائيلي، حيث نال الشقيقان المقبوض عليهما مبلغ 100 ألف شيكل (نحو 35 ألف دولار) بالعملة الرقمية، وكان دافعهم الوحيد هو المال.
وفي حين يرى محامي الأخوين ناحوم أنهما ساعدا إسرائيل "بالحصول على أموال من الإيرانيين مقابل معلومات كاذبة"، فإن السلطات الإسرائيلية لا ترى الأمر كذلك وتؤكد أن الادعاء بمقتل رئيس إيران وحده كان يمكن أن يشعل حربا، حيث يواجه الشقيقان جلسة استماع أخرى في المحكمة.
في المقابل لم تقف إسرائيل مكتوفة الأيدي، بل تستخدم الأدوات ذاتها، إذ يستند تجنيد الجواسيس داخل إيران على عمل طويل ومعقد تقوده أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، خاصة الموساد.
تقوم سياسة إسرائيل في التجنيد على رسم خريطة شاملة للفئات المختلفة، بهدف التمييز بين الموالين والمعارضين للنظام، ويتم التركيز على الأشخاص الذين يُظهِرون بوادر استياء أو انخراط في الاحتجاجات، حيث تتم "متابعة كل مظاهرة" وتحديد قادتها كأهداف محتملة للتجنيد.
وفي المرحلة اللاحقة، تنتقل الاستخبارات إلى مرحلة الاقتراب، التي قد تتم بطرق غير مباشرة، وهنا يظهر أحد أخطر الأساليب وهو التجنيد دون علم الشخص نفسه أنه مجند.
ويشير تقرير نشرته مجلة لكسبريس الفرنسية، إلى أن بعضهم يجهل طوال حياته أنه عمل لصالح الموساد، ويتم ذلك عبر واجهات وهمية، مثل شركات أو مجموعات معارضة في الخارج، حيث يعتقد الهدف أنه يخدم قضية داخلية، بينما هو في الواقع جزء من عملية استخباراتية.
فإذا كانت إيران تبحث عن مهام سريعة وفورية: تصوير حي، التقاط فيديو لمنظومة دفاعية، أو فحص موقع سقوط صاروخ، وهي مهام تنتهي سريعا وتنكشف بسهولة أكبر، يعتمد الموساد على سنوات طويلة لزراعة عميل أو توجيهه دون علمه، لدرجة أن التقرير الفرنسي يذكر أن بعضهم يموت دون أن يعلم أنه خدم إسرائيل.
ويركز جهاز الموساد على "الخريطة الاجتماعية" لإيران، وبحسب التقرير، فإن الأقليات العرقية (الأذريين، الأكراد، والبلوش) التي تشكل نحو 40% من سكان إيران، تمثل بيئة خصبة للتجنيد نتيجة شعور بعض أفرادها بالتهميش، كما يتم تتبع قادة الاحتجاجات الطلابية والمعارضين السياسيين بدقة لتحويل نقمة هؤلاء على النظام إلى تعاون استخباراتي مباشر.
ومنذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يعلن الحرس الثوري الإيراني اعتقال أشخاص يُشتبه في تورطهم بالتجسس لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.
وعند اعتقال المشتبه بهم، تبيّن أن بحوزتهم حزمة متكاملة من المعدات العسكرية والفنية، والأسلحة، وأجهزة تحديد المواقع، ووسائل الاتصال الخاصة، والعملات الأجنبية، كما هو الحال عندما اعُتقل 178 شخصا بالتهمة ذاتها في مارس/آذار.
وكشفت التحقيقات أن هؤلاء المجندين كانوا يُزوَّدون بأجهزة تجسس متطورة، ليقوموا منذ بداية الحرب بإمداد أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة وإسرائيل بمعلومات حساسة وإحداثيات دقيقة حول مواقع مراكز الهلال الأحمر الإيراني ونقاط التفتيش الأمنية.
وشنّت السلطات الإيرانية حملة اعتقالات واسعة في صفوف من تصفهم بالخونة والعملاء، عقب الاغتيالات الأخيرة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة