في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تعد ثمة مسافة بين التهديد والتنفيذ، فبينما تتوعد واشنطن بأن كل رصاصة إيرانية مقبلة ستقابَل بـ20 ضعفها، وتعلن أن مذكرة التفاهم التي أوقفت الحرب "انتهت"؛ يرد الحرس الثوري بأن "أي اعتداء متكرر ستتوسع ردودنا الساحقة لتشمله"، رافضا أي دور أمريكي أو "أطلسي" في إدارة المضيق.
إنه تصعيد من تصريحات لا تقل حرارتها عن لهيب النيران المشتعلة حول مضيق هرمز منذ يومين، وخلف هذا التراشق بالقول والفعل تتقاطع القراءات وتفترق: فمن يرى أن الضربات الحالية ليست إلا تمهيدا لضربة موجعة تعيد طهران قسرا إلى الالتزام الكامل بمذكرة التفاهم والضغط عليها من أجل تحسين بنود التفاوض المستقبلي. ومن يذهب إلى أن ما يجري ليس سوى "عرَض" لصراع أعمق وبنك أهداف غاياته أبعد من الرؤية الآنية لمجريات التصعيد.
فالطرفان لديهما تعريف معاكس تماما لمفهوم "النصر" نفسه:
وبين القراءتين، تتشكل صورة لحرب قد تأخذ طابع الاشتباكات المجزأة التي تتخللها هدن هشة أكثر مما تأخذ طابع الحسم السريع.
وإذا اتسعت رقعة المواجهة، فإن بنك الأهداف نفسه مرشح للتمدد؛ من الثكنات والمنصات الصاروخية إلى ما يوصف "برئة" الاقتصاد الإيراني المتمثلة في منشآت الطاقة والموانئ وخطوط الإمداد، وهي إستراتيجية تريد تضييق الخناق على قدرة النظام على الصمود لا الاكتفاء بالإنهاك فحسب.
فهل يعيد الطرفان حساباتهما نحو ضربة حاسمة تُنهي الجولة وتُحيي مذكرة التفاهم لتحسين التفاوض الإستراتيجي، أم تنفتح المنطقة على استنزاف ممتد لا يحسمه أحد؟ وهل يبقى حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومحور المقاومة الإيراني على هامش المشهد، أم يتحولان إلى طرفين فاعلين في معادلة لم تُحسم بعد؟
وكلها أسئلة تفتح الباب أمام قراءات لـ4 باحثين ومحللين في تصريحات للجزيرة نت، اختلفت زوايا نظرهم لكنها التقت عند خلاصة واحدة: "لا حسم قريبا، ولا استقرارا وشيكا".
بين احتمال ضربة موجعة تعيد الأطراف قسرا إلى نقطة الاتفاق والتفاوض تحت على وقع النيران، واحتمال انزلاق تدريجي نحو مواجهة لا يُقاس النصر فيها بمعيار واحد، تتوزع قراءات المحللين على مساحة من التوقعات تلتقي عند حدّ أدنى وتفترق عند جوهر المسار: هل تُدار هذه الجولة لإنهاء الأزمة أم لإدارتها فحسب؟
وثمة تفصيل دقيق يكشف نوايا واشنطن في هذه الجولة، فحين اختارت وصف ضرباتها "بالهجمات" وليس "العملية العسكرية" فإنها تجنبت بذلك استحقاق موافقة الكونغرس المسبقة، في مؤشر على رغبتها في التصعيد دون الانزلاق نحو مواجهة شاملة تحاسَب عليها سياسيا.
وعلى أساس هذا التوجه، يضع خبير الشؤون السياسية والأمن البحري اللواء محمد عبد الواحد احتمال عودة الحرب الشاملة في منطقة رمادية متعمّدة، مبينا أن السيناريو "مرتفع لكنه ليس مرتفعا جدا"، إذ تتصادم تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب النارية وضغوط إسرائيل لاستكمال الحرب مع كلفتها الباهظة واقتراب استحقاقات انتخابية في واشنطن وتل أبيب.
وأضاف اللواء عبد الواحد -في تصريحاته للجزيرة نت- أنه إذا اندلعت الحرب مجددا فيرجح أن تكون أقرب إلى تكرار "حرب الـ39 يوما": "ضربات جوية مكثفة تستغل التفوق الجوي الكامل، مع تركيز هذه المرة على "مراكز الثقل" التي لم تُستهدف بالكامل سابقا نتيجة حسابات أمريكية إسرائيلية خاطئة".
وفي المقابل، يرى الباحث العسكري والإستراتيجي الدكتور علي الذهب أن الضربات الحالية، رغم قسوتها، قد لا تكون سوى أداة ضغط لإعادة طهران إلى الالتزام الكامل بمذكرة التفاهم لا نسفها، فإعلان ترمب "انتهاءها" -وما وصفه مسؤول إيراني بـ"رصاصة الرحمة"- تغليف سياسي أكثر منه واقعا نهائيا. أو أن استمرار المواجهات لفترة أطول يُفضي إلى تعديل بنود المذكرة بما يمنع عودة إيران لتهديد الملاحة.
أما الباحث العماني في الشؤون الإستراتيجية الدكتور عبد الله الغيلاني فيضع الصورة كلها في إطار أعمق: ما يجري ليس إلا "تمظهرا" لصراع أطول من أن ينتهي بنهاية هذه الجولة، فنقطة الاستعصاء تكمن في تباين الغايات؛ فواشنطن تريد إضعاف النظام الإيراني لحد الإذعان بعد أن عجزت عن إسقاطه.
وأضاف الغيلاني -في تصريحاته للجزيرة نت- أن طهران تخوض "حربا صفرية" لا تعرّف النصر فيها إلا "بالصمود".
ويخلص المتحدث نفسه إلى أن الحرب ستأخذ شكل اشتباكات مجزأة تفصل بينها هدن هشة ووساطات مكثفة، وأن إيران أقدر على تحمّل هذا السيناريو لأنها توظف الحرب لتماسك جبهتها الداخلية، بينما لا تستطيع واشنطن إطالة أمده لكلفته الباهظة، مما قد يدفعها لضربات نوعية تفكك بنية النظام وتسحبه قسرا نحو الإذعان.
كلما اتسعت رقعة المواجهة، تغيّرت طبيعة الأهداف ذاتها؛ فبنك الأهداف الذي كان يقتصر على الثكنات والمنصات العسكرية يتمدد تدريجيا نحو الشرايين الاقتصادية التي تُبقي الدولة قائمة، في مؤشر على أن المعركة المقبلة، إن اتسعت، لن تُدار بمنطق عسكري بحت بل بمنطق خنق تدريجي شامل.
ولذلك يرى المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية بالدوحة الدكتور خالد الجابر أن أي توسع في المواجهة سيدفع بنك الأهداف إلى تجاوز المنشآت العسكرية نحو "البنية الاقتصادية واللوجستية" التي يمول بها النظام قدراته (منشآت الطاقة، ومراكز تخزين الوقود، والصناعات العسكرية، وشبكات النقل، إلى جانب منصات الصواريخ ومصانع المسيّرات ومراكز القيادة) في إستراتيجية غايتها تضييق الخناق تدريجيا على قدرة النظام على الصمود وليس الاكتفاء بإنهاك جيشه.
ويفصّل عبد الواحد "بنك الأهداف" حسب الفاعل؛ فإسرائيل تُركّز على القدرات الصاروخية ومصانعها ومخازنها تحت الأرض، وواشنطن تستهدف القدرات البحرية الإيرانية كاملة (منصات الصواريخ الساحلية، والرادارات، ومراكز القيادة البحرية) لشل قدرة الحرس الثوري على التحكم في مضيق هرمز.
وفي المقابل -حسب خبير الأمن المائي- تبقى الأهداف الإيرانية كما هي: صواريخ نحو إسرائيل والقواعد الأمريكية، مع احتمال تهديد منصات الغاز والبترول في دول الخليج أو تلغيم المضيق لرفع أسعار النفط، وإن كانت الدفاعات الجوية الخليجية باتت أقدر على اعتراضها.
ويرسم علي الذهب خريطة جغرافية أوسع تشمل الأهداف الإيرانية الجديدة التي تتوزع على "قوس ساحلي متعرج" من الأحواز شمالا حتى ميناء جابهار جنوبا، وتحظى بالأولوية لقربها من القطع البحرية الأمريكية، وكونها مصدر التهديد المباشر للملاحة، وضعف قدرتها الدفاعية التي لا تتجاوز 20% بعد الاستنزاف المتراكم.
وتضم هذه الرقعة منشآت نووية أبرزها محطة بوشهر وموانئ تمثل شريان التصدير والاستيراد، مما يجعلها بمثابة "رئة" لإيران؛ إذا تعطلت تفقد طهران مقومات صمودها. وتؤكد وقائع الأيام الماضية هذه القراءة، إذ شملت الضربات بندر عباس وبوشهر وجابهار وأبو موسى، وتوقف خط السكك الحديدية طهران مشهد، حسب تصريحات الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والإستراتيجية للجزيرة نت.
وبين من يرى في الضربات الحالية عمليات جراحية محسوبة تستهدف كسر إرادة النظام لا إنهاكه فحسب، ومن يفتح الباب أمام احتمال انزلاق الجميع إلى استنزاف مفتوح الكلفة، يبقى السؤال عن طبيعة المواجهة القادمة رهينا بمعادلة معقدة من الحسابات السياسية والعسكرية على الجانبين.
وهنا يحسم الجابر الجدل من زاويته: ما يجري ليس استنزافا كلاسيكيا، بل "ضربات نوعية مدمرة" تستهدف كسر المفاصل الحيوية للنظام حتى يصبح استمرار التصعيد أكلف من التراجع عنه.
ويفتح عبد الواحد الباب أمام احتمال مغاير، مشيرا إلى ترجيح بعض مراكز الدراسات دخول استنزاف طويل يرفع الكلفة على الجميع، خاصة مع احتمال دخول فاعلين كالصين وروسيا رفضا لسيطرة أمريكية كاملة على المضيق، وإن كان يخلص إلى أن الهدف الأمريكي الأقرب يبقى ضربات سريعة ومؤثرة وليس استنزافا مفتوحا.
ويربط الغيلاني استمرار التصعيد الراهن بـ3 عوامل:
وفي غياب هذه العوامل مجتمعة، يخلص الباحث العماني إلى أن المدى المتوسط لا يحمل مؤشرات على توقف الحرب، لكنه أيضا لا ينبئ بحقبة اشتباك مرتفع الحدة، فكلا الطرفين منهك.
على هامش المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، يبرز سؤال عن مدى استعداد فاعلين آخرين لتغيير موازين الحرب؛ فحلف الناتو يعلن التأمين الحذر للملاحة الدولية، بينما تبقى أذرع إيران الإقليمية مرتبطة بحسابات الداخل أكثر من ارتباطها برغبتها في الانخراط.
وفي هذا السياق، يستبعد عبد الواحد والذهب أي انخراط أطلسي مباشر في القتال، مرجّحين اقتصاره على دعم لوجيستي واستخباراتي وذخائر "غير معلنة"، ومهام كسح ألغام على غرار ما جرى في مواجهة الحوثيين بالبحر الأحمر.
ويشير الذهب إلى أن خصوصية هرمز الجغرافية، فهو ممر ضيق مفتوح من جهة واحدة فقط، مما يجعل أي انخراط من حلف الناتو مباشر أكثر تعقيدا وأعلى كلفة، ويرجح اقتصار الدعم على تأمين الممر الجنوبي القريب من عمان.
ويربط الغيلاني هذا التردد بجوهر معادلته: تحوّل موقف الناتو أحد الشروط الثلاثة لكسر الجمود، لكنه لا مؤشرات جادة حتى اللحظة تنبئ به، مما يُبقي الحضور الأوروبي عند حدود "الحذر" لا "الحسم".
وعلى صعيد وكلاء إيران، يرى المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية أن اتساع المواجهة سيدفع المليشيات المتحالفة مع طهران للتحرك في أكثر من ساحة لتخفيف الضغط عنها (تصعيد حوثي، وتحركات عراقية، وتوتر لبناني محتمل)، محذرا من أن هذا الخيار "محفوف بالمخاطر" لأنه قد يمنح خصوم إيران مبررا لتوسيع عملياتهم ضد شبكاتها.
ويرجّح خبير الشؤون السياسية والأمن البحري إضعافا كبيرا لهذه الأذرع إذا اندلعت حرب شاملة. في حين يربط الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والإستراتيجية انخراط حزب الله في ملفي الملاحة والضربات الإسرائيلية المستمرة رغم مذكرة التفاهم، مستبعدا دورا كبيرا له كونه "في مرحلة دفاع ذاتي"، ويرجح أن يبقى قرار الحوثيين مرهونا بقدرة إيران على دفعهم للانخراط العلني أكثر من ارتباطه برغبتهم الذاتية، لا سيما في ظل مسار تهدئة يجري حاليا بينهم وبين الرياض.
والخلاصة.. بين ضربات توصف بـ"الهجمات" تجنبا لتبعات سياسية، وبنك أهداف يتمدد من الثكنات إلى شرايين الاقتصاد، وقراءات متباينة لشكل المواجهة (ضربة حاسمة تعيد الجميع إلى مذكرة التفاهم، أو اشتباكات صفرية مجزأة يطول أمدها) يبقى مضيق هرمز مسرحا لتفاوض غير معلن تُدار فصوله بالنار.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة