آخر الأخبار

الاستقلال الذي تحتاجه أمريكا.. كيف يمكنها التحرر من أيباك؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي


"أي عضو برلماني ينتقد إسرائيل أو يكشف عن انتهاكاتها للقانون الدولي فغالبا لن يجد نفسه في الكونغرس في الدورة الانتخابية القادمة"

بواسطة الرئيس الأمريكي الراحل جيمي كارتر

تختلف النظم السياسية باعتبار مصدر السلطة، فالديمقراطية تحيل السلطة إلى الشعب، والثيوقراطية تحيل السلطة إلى النخبة الدينية، والأوتوقراطية تحيل السلطة إلى الفرد، والأوليغاركية تحيل السلطة إلى النخبة الغنية، والأرستقراطية تحيل السلطة إلى النبلاء، والميرتوقراطية تحيل السلطة إلى النخبة العلمية، وهلم جرا.

ورغم كثرة هذه التقسيمات وتنوعها، فإننا في العصر الحالي نحتاج أن نضيف نظاما سياسيا جديدا، وهو النظام الذي تسيطر فيه أقلية بطريقة "قانونية" على صناعة القرار لصالح دولة أجنبية، وهو ما تقترح هذه المقالة تسميته "الأيبقراطية" "AIPACROCY"، ونستمد هذا المصطلح من الحالة الأمريكية التي تسيطر فيها جماعة "أيباك" (AIPAC) على صناعة القرار الأمريكي لصالح دولة أجنبية هي إسرائيل.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 سالم الهرش.. البدوي الذي خدع إسرائيل وأفشل خطة تدويل سيناء
* list 2 of 2 ديك تشيني.. الرجل الذي صنع دونالد ترمب دون أن يدري end of list

فأيباك وإن كانت مجرد جماعة ضغط، لكننا نقترح في هذه المقالة التعامل معها على أنها مفهوم يعبّر عن كل نظام سياسي تسيطر فيه أقلية على السلطة بطريقة "قانونية"، على أن تكون متحيّزة لمصالح دولة أجنبية.

وأيباك تستعمل القانون للسيطرة، لكن القانون لا يعترف بهذه السيطرة، وهذا تفريق مهم لفهم الفكرة، وهي أن عمل أيباك في توجيه السياسة الأمريكية لتلائم المصلحة الإسرائيلية هو عمل قانوني، ما دامت لا تتلقى دعما مباشرا من إسرائيل، وما دامت لا تقدم دعما مباشرا للمرشحين الأمريكيين، لكن هذه الطريقة القانونية استثمرتها أيباك للسيطرة التامة على صناع القرار الأمريكي، وهذه السيطرة هي التي لا يعترف بها القانون. ومن الطبيعي أن القانون لا يعترف بها، لأنه سيكون اعترافا بغياب السيادة؛ إذ السيادة ليست سوى الاستقلال القانوني للدولة في صناعة قرارها داخليا وخارجيا.

"أيباك تستعمل القانون للسيطرة، لكن القانون لا يعترف بهذه السيطرة"

لكن الواقع لا يُفهم من خلال ما يقوله القانون فحسب، بل من خلال المعطيات العملية كذلك، إذ القانون لا يعبر عن حقائق الأشياء دائما، ولذلك صحيح أن الدستور الأمريكي يؤكد على أن السلطة بيد الشعب كما تنص على ذلك ديباجته، لكن معطيات الواقع تخبرنا بوضوح -كما سنرى- أنه لا يمكن لإرادة الشعب الأمريكي أن تعلو على إرادة أيباك في القضايا التي تمس المصالح الإسرائيلية.

إعلان

ونشير كذلك إلى أن أيباك مشروع طارئ في الحياة الأمريكية، فلم يكن موجودًا قبل الخمسينيات، وربما لن يكون موجودًا مستقبلا على الأرجح، ولذلك فإن وصف النظام الأمريكي بأنه "أيبقراطي" هو وصف لحالة الانحراف المستمرة منذ عقود، وليست وصفًا لطبيعة النظام السياسي في أصله. فالنظام الأمريكي في أساسه ديمقراطي، لكن قوانينه أتاحت لأيباك أن تنقلب على الديمقراطية نفسها، فإلى أن تنتهي حالة الانقلاب هذه سيبقى الأدق أن نصنف النظام السياسي الأمريكي بأنه "أيبقراطي"، وليس "ديمقراطيا".

مصدر الصورة

حقيقة أيباك

"كل عضو في الكونغرس لديه شخص من أيباك كالمربي الخاص"

بواسطة النائب الجمهوري توماس ماسي

أيباك، أو لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، هي منظمة تهدف لتقوية العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بحسب تعريفها القانوني، وتأسست في عام 1954 على يد إشعيا كنعان الذي بقي مديرا لها منذ لحظة التأسيس إلى عام 1974، ثم بعد ذلك تولى المهمة موريس أميتاي الذي كان مساعدًا قانونيًا لأحد نواب الكونغرس الأمريكي، ثم منذ عام 1981 تولى الإدارة توماس داين والذي عمل أيضا مساعدًا لكثير من النواب، وينسب له الفضل في تحويل أيباك إلى أقوى جماعة ضغط في واشنطن.

وكثير من الناس يخلط بين "أيباك" و"اللوبي الصهيوني"، والحقيقة أن أيباك جزء من اللوبي الصهيوني الذي يشمل جماعات أخرى تؤمن بالصهيونية أو تساندها، كمنظمة التحالف المسيحي الأمريكي، ومنظمة المسيحيين المتحدين من أجل إسرائيل، لكن أيباك بطبيعة الحال هي أقوى مكونات اللوبي الصهيوني على الإطلاق.

وكانت أيباك في البدء تسمى "أزكبا" (AZCPA) وتعني "لجنة الشؤون العامة الأمريكية الصهيونية"، لكن لاحقًا –وتحديدًا عام 1959– أزيلت كلمة الصهيونية وحلت كلمة إسرائيل محلها. ويشير موقع أيباك الرسمي إلى المنظمة بوصفها منظمة أمريكية ينتمي إليها لها أكثر من 6.5 ملايين عضو، ليس كلهم من اليهود، وقد ذكر مايكل روزنبرغ، الذي عمل سابقا في وزارة الخارجية الأمريكية وفي صفوف أيباك نفسها أن المنظمة تضم أكثر من 100 ألف عضو من غير اليهود الأمريكيين.

وعلى الرغم من أن أيباك تأسست عام 1954، فإنه من المهم الانتباه إلى أن هذه كانت نقطة التأسيس لا التأثير، أما بداية التأثير الحقيقي لأيباك في المشهد السياسي الأمريكي فهي مرحلة الثمانينيات، والتي يرى البروفيسور والمؤرخ دوغ روسينو أنها تمثل "التاريخ الحقيقي لأيباك". والسبب ربما أنها المرحلة التي تولّى فيها رونالد ريغان رئاسة الولايات المتحدة، وهو أحد أهم رموز المسيحية الصهيونية التي تدعم فكرة الدولة الإسرائيلية دعمًا مطلقًا.

"غاية أيباك هي بناء الإجماع السياسي الأمريكي على تأييد إسرائيل وضمان مصالحها كما تقررها الحكومة الإسرائيلية"

أما غاية أيباك وهدفها الأساسي فيكمن في بناء الإجماع السياسي الأمريكي على تأييد إسرائيل لضمان استمرار دعم صانع القرار الأمريكي للمصلحة الإسرائيلية كما تقررها الحكومة الإسرائيلية. وحين نقول: "كما تقررها الحكومة الإسرائيلية" فهذا قيد مهم، فلو رأت الإدارة الأمريكية أن مصلحة إسرائيل تقتضي الاتجاه يمينًا، والحكومة الإسرائيلية ترى أنها تقتضي الاتجاه شمالا، فإن وظيفة أيباك حينها أن تجعل الإدارة الأمريكية تتجه شمالا، بصرف النظر عن صحة الطريق من عدمه. وهذا الأمر صرّح به الرئيس الأمريكي الراحل جيمي كارتر نفسه حين قال إن أيباك لا تهدف إلى "إحلال السلام"، ولكن هدفها هو تأمين مصالح إسرائيل.

مصدر الصورة

أما وسائل أيباك في تحقيق هذه الغاية فهي كثيرة ومتنوعة، منها مثلا توفير الدعم غير المباشر للمرشحين من خلال تشجيع منتسبي أيباك للتبرع لهم، ومؤخرا أنشأت أيباك لجنة عمل سياسي تابعة لها تقدم الدعم المباشر، إضافة إلى عمل دورات مكثفة للعاملين في دوائر صناعة القرار الأمريكي، بما في ذلك دورات تدريبية في إسرائيل. فضلا عن ضمان استمرار تدفق المساعدات العسكرية والتكنولوجية والمالية الأمريكية لدولة الاحتلال، وتشجيع القواعد الانتخابية للمرشحين للتصويت والتواصل معهم قبيل وأثناء الانتخابات.

إعلان

تعمل أيباك أيضا على ضمان أن يكون الموقف الأمريكي معبرًا أو ممثلا للموقف الإسرائيلي في المحافل الدولية لا سيما الأمم المتحدة، مع تشجيع صانع القرار الأمريكي على فرض عقوبات على خصوم إسرائيل والتأكد من استمرار ذلك. كما تقدم إحاطات دائمة لأعضاء الكونغرس وموظفي البيت الأبيض عن كل ما يهم المصالح الإسرائيلية. والخلاصة هي أن أيباك، وإن كانت جماعة ضغط من بين مئات جماعات الضغط التي تملأ المشهد الأمريكي، فإنها أهدافها وطريقة عملها تختلف جذريا عن هذه الجماعات.

مصدر الصورة غاية أيباك هي بناء الإجماع السياسي الأمريكي على تأييد إسرائيل (رويترز)

مجموعة ضغط.. ولكن

يقول البروفيسور والمؤرخ دوغ روسينو إن "الفرق الجوهري الوحيد بين أيباك وجميع اللوبيات المحلية التي تسعى لشراء الدعم لأجندتها هو أن أيباك تعمل لصالح دولة أجنبية، بينما تتمحور باقي اللوبيات حول قضايا بعينها". يحدث ذلك لأن أيباك تخدم المصالح الإسرائيلية وفقًا لتعريف الحكومة الإسرائيلية لها، فمثلا يمكن أن يكون استمرار الحرب في غزة لا يصب في صالح إسرائيل، لكنه يصب في مصلحة الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، ولذلك لا تملك أيباك إلا أن تساند قرار الحكومة الإسرائيلية، فهي تخدم المشروع الإسرائيلي وفق تقديرات صانع القرار الإسرائيلي نفسه.

ولذلك فأيباك ليست مشروعًا يهوديا، ولا حتى مشروعًا صهيونيًا فحسب، وإنما هي مشروع إسرائيلي، فأيباك تستخدم اليهودية ولا تخدمها، وتتحالف مع الصهيونية لكنها لا ترتهن لها. وستكون أيباك مشروعًا يهوديًا لو أن وظيفتها كانت مقتصرة على تأمين مصالح الأقلية اليهودية في الولايات المتحدة، لكن الواقع أن أيباك قد تستهدف اليهود أنفسهم إن هم عارضوا إسرائيل.

"أيباك تستخدم اليهودية ولا تخدمها، وتستهدف اليهود أنفسهم إذا عارضوا إسرائيل"

وقد أشار بعض الباحثين إلى أن الصوت اليهودي المناهض للصهيونية كان عاليًا، بل يرى دوغ روسينو أن المعادين للصهيونية بين اليهود كانوا هم التيار العام، لكن بعد الخمسينيات تم تهميشهم، بالتزامن مع نشأة أيباك. ومن الأمثلة على استهداف أيباك لليهود المناوئين لإسرائيل ما فعلوه ضد النائب الديمقراطي اليهودي آندي ليفين حين سعوا لإسقاطه في الانتخابات التمهيدية لولاية ميشيغان عام 2022، بسبب معارضته للمستوطنات ودعمه لحل الدولتين.

وستكون أيباك مشروعا صهيونيا لو أن صناعة قرارها محددة بمصلحة إسرائيل كما يقدرها اللوبي نفسه، لكن ممارسات أيباك تشير إلى أن هذه الجماعة متمحورة حول المصلحة الإسرائيلية أكثر من اليهودية أو الصهيونية، كما يظهر مثلا في حادثة اختراق أيباك لوزارة الدفاع الأمريكية والحصول على معلومات سرية حول إيران عام 2004، وذلك حين قام لورانس فرانكلين المسؤول عن ملف إيران في مكتب وكيل البنتاغون بالتآمر مع اثنين من الموظفين السابقين في أيباك هما ستيف روزن وكيث وايزمان من أجل تسليم معلومات سرية للدبلوماسي الإسرائيلي ناعور جيلون.

ما مصدر قوة أيباك؟

"أستطيع جمع تواقيع 70 عضوا في مجلس الشيوخ على منديل فارغ بمجرد أن أطلب منهم ذلك"

بواسطة المدير السياسي السابق لأيباك ستيفن روزن

يقول مسؤولو أيباك ومناصروها إن قوة المنظمة نتيجة طبيعية لقوة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن الحقيقة أن هذا الزعم أبعد ما يكون عن الواقع، فالمسألة ليست مجرد انعكاس طبيعي للتفاعل السياسي بين إسرائيل والولايات المتحدة، وإنما هي نتيجة عوامل متعددة على رأسها سطوة أيباك وهيمنتها. وقد عزا الرئيس الأمريكي الراحل كارتر ظاهرة هيمنة إسرائيل على المشهد الأمريكي إلى أمرين: الالتزام الأمريكي المسيحي الأصيل بضمان أمن إسرائيل، ثم إلى قوة أيباك.

إعلان

يدفعنا ذلك للتساؤل حول الأسرار الحقيقية لقوة أيباك والحقيقة أن قوة المنظمة تنبع من ثلاثة أمور أساسية. أولها حجم الدعم الذي تقدمه للمرشحين، وليس المقصود هنا الدعم المالي وحده، إذ المال وحده لا يحسم السباق التنافسي. لكن المقصود بدعم أيباك هو مجموعة الخدمات التي تقدمها مما يعجز أي كيان آخر في أمريكا عن منافسته.

فالمنظمة لا تكتفي بتشجيع كل أعضائها وقاعدتها الجماهيرية على التبرع للمرشح الذي تدعمه، بل تزيد على ذلك التواصل المباشر مع قواعد المرشح الانتخابية في ولايته، وتنظيم الحملات الإعلانية، والأهم معاقبة منافسيه عبر تشويه سمعتهم لدى الرأي العام الأمريكي، كما حدث مع المرشح المناهض لأيباك جمال بومان الذي أنفقت المنظمة ملايين الدولارات على حملات التشويه ضده خلال انتخابات عام 2024، لدرجة أن المحلل جيمس زغبي علق هذه الحملة بالقول ساخرا إن "والدة بومان لو بقيت في المنزل تشاهد هذه الهجمة السلبية، لما صوتت لابنها أيضا".

"العامل الثاني وراء قوة أيباك هو هيمنة السردية الصهيونية في أمريكا"

العامل الثاني وراء قوة أيباك هو هيمنة السردية الصهيونية، والتي يمكن تلخيصها بشعارهم الذي يرددونه، وهو "Never again" الذي يعني "لن يحدث مجددا". وهذه العبارة تعكس –بحسب موريس سولومون– التزامين يطالب بهما اليهود الساسة والمجتمعات في الغرب: ألا يكون اليهود عرضة لهولوكوست آخر، وأن تبقى إسرائيل وطنا آمنا لليهود.

فالسردية الصهيونية تقوم على أن الغرب هو الذي سمح بحدوث الهولوكوست، وعليه أن يتحمل المسؤولية عن حماية اليهود. لكن القوة لا تنبع من السردية وحدها، بل الأهم القدرة على ترويجها وترسيخها في الوعي الجمعي، وهذا ما فعلته منظمة أيباك بهيمنتها الإعلامية كي تضمن ألا يسمع الرأي العام الأمريكي صوتا سوى سرديتها، قبل أن تكسر وسائل التواصل الاجتماعي هذه الهيمنة. ولذلك ليست مبالغة لو قلنا إن أكبر ما يهدد هيمنة أيباك هو الثورة الرقمية.

أما العامل الثالث والأخير، فهو استثمار الحاضنة الإنجيلية، ربما يستغرب البعض من حقيقة أن إسرائيل في أساسها مشروع مسيحي أكثر من كونها مشروعا يهوديا، ذلك أن اليهودية في الأساس تحرّم الرجوع إلى أرض الميعاد قبل خروج المسيح (عليه السلام)، لكن المسيحية الإنجيلية خرجت بنظرية أن المسيح لن يأتي إلى هذا العالم إلا إذا تجمع اليهود في أرض فلسطين وأنشؤوا مملكة إسرائيل، وهذا يقتضي دفع اليهود للرحيل إلى "أرض الميعاد" حتى يعجّل ذلك بمجيء المسيح.

هذا المعتقد –المسيحية الصهيونية– يؤمن به كثير من الساسة الأمريكيين، ويعد الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغان من أشهر المؤمنين به، فقد كان يتحدث كثيرًا عن معركة هرمجدون التي أشار إليها العهد القديم (في سفر حزقيال)، والتي تحكي أن قوى الظلام ستجتمع كلها لمحاربة مملكة إسرائيل، فيقتلون اليهود قتلا كبيرا، ثم يتنزّل المسيح لحماية من تبقى من اليهود، ويحكم العالم لألف سنة، ولذلك تؤمن المسيحية الصهيونية بأهمية تأسيس إسرائيل وبقائها إلى أن تأتي هذه المعركة، وإلا فلن يتنزّل المسيح.

وقد قام النائب الجمهوري ريك دبليو ألين بتوبيخ رئيسة جامعة كولومبيا السابقة نعمت شفيق خلال جلسة استماع في عام 2024 وعاتبها قائلاً: "لماذا لا تدعم جامعة كولومبيا إسرائيل؟ ألا تعرفين أن الإنجيل أخبرنا بأن الله يلعن من يعادي إسرائيل؟". والشاهد أن المسيحية الصهيونية هي أحد أهم مصادر قوة أيباك، صحيح أنها تختلف تمامًا معها في الهدف، لكنها تشترك معها في الوسيلة، وتقاطع المصالح ركن ركين في التحالفات الإنسانية.

استثمار الثغرة الديمقراطية المميتة

على الرغم من أن الديمقراطية تعد أقوى النظم السياسية الوضعية وأكثرها ديمومة، فإنها تعاني من عدة ثغرات تحدث عنها فلاسفة الفكر السياسي منذ العصر الأثيني إلى عصرنا الحالي، وأخطر هذه الثغرات على الإطلاق هي ثغرة الاختراق الخارجي؛ أي تمكّن جهات أجنبية من التدخل في توجيه القرارات الحكومية. وهذه الثغرة يصعب تفاديها، ذلك أن الديمقراطية تعني التنافس الانتخابي بين مرشحين شعبيين، ولأن كل مرشح يحتاج إلى دعم واسع للنجاح، فإن هذه الحاجة هي النافذة التي من خلالها تحصل الاختراقات الأجنبية.

ولا شك أن القوانين في الدول الديمقراطية –بما في ذلك الولايات المتحدة– تمنع مواطنيها المرشحين من تلقي أي دعم من دول أجنبية في حملاتهم الإعلانية، لكن هذا القانون يقلل عملية الاختراق ولا يلغيها؛ لأن الدول الأجنبية تستطيع أن تجد ألف طريقة وطريقة لدعم المرشحين، لاسيما أن القوانين الأمريكية لا تضع حدا للإنفاق السياسي بموجب التعديل الأول للدستور الأمريكي، وإن كانت تضع حدا لدعم مرشح أو حزب بعينه.

مصدر الصورة

فمثلا يمنع القانون الأمريكي الفرد من التبرع للمرشح نفسه بأكثر من 6600 دولار، ويمنعه أن يعطي الحزب أكثر من 41 ألف دولار، فهو إذن يسمح لكل فرد بأن يدفع ما يقارب 47 ألف دولار كحد أقصى. لكن هذا الحد لا يشكل حاجزًا لسببين، الأول: أن منتسبي أيباك عددهم كبير جدا كما ذكرنا، فلو افترضنا أن أيباك استعملت هويات عشرة آلاف من هؤلاء لدعم مرشح معين، فإنها تستطيع أن تجمع له نحو نصف مليار دولار. وهذا الأمر يتعزز مع هيمنة أيباك على لجان العمل السياسي "PACs" التي لا تدعم المرشحين بشكل مباشر، لكنها تستطيع جمع أعداد هائلة من المتبرعين، هذا علاوة على ما تسمى لجان العمل السياسي الفائقة "Super PACs" التي تملك صلاحيات تمويل ودعم أوسع.

إعلان

السبب الثاني أن القانون لا يمنع الدعم غير المباشر، فصحيح أن الشركات محدودة بمبلغ معين في دعمها المباشر للمرشح، لكنها تستطيع أن تنفق ما تشاء لدعمه بطرق غير مباشرة، كأن تقوم بالترويج للقضايا التي يدافع عنها المرشح أو إطلاق حملات لتشويه البرنامج الذي يعتمد عليه خصمه أو تشويه صورة الخصم نفسه وإطلاق الشائعات عليه، فثمة ألف طريقة وطريقة لدعم المرشحين دون تجاوز القانون أو سقف الإنفاق.

"تعد جماعات الضغط نافذة لاختراق الديمقراطية الأمريكية"

والحقيقة أن الديمقراطية الأمريكية رسخت ثغرة اختراقها بنفسها عبر السماح بجماعات الضغط، والتي في حقيقتها لا تعني شيئا أكثر من "شراء مواقف المشرّعين مقابل خدمات مادية". ومهما يكن من أمر، فإن هذه الثغرة في الديمقراطيات عموما، وفي الديمقراطية الأمريكية على وجه الخصوص، قد انتبه لها الصهاينة مبكرا، وهذا ما دفعهم لتأسيس أيباك في مرحلة مبكرة جدا عام 1954، أي بعد 6 سنوات فقط من قيام دولة الاحتلال.

وستبقى جماعة أيباك قادرة على استثمار هذه الثغرة المميتة في الديمقراطية الأمريكية إلى أن يحصل أمر على شاكلة ما حصل قبيل الحرب العالمية الثانية حين خشيت الولايات المتحدة من اختراق ألمانيا النازية للمشهد الانتخابي الأمريكي فسنت من التشريعات ما تعتقد أنه سيمنع ذلك الاختراق. فهل يمكن أن يتكرر ذلك مع أيباك لا سيما مع تصاعد اتهام أعضاء هذه المنظمة ومناصريها بتهمة ازدواجية الولاء بين أمريكا وإسرائيل؟

مصدر الصورة ترمب خلال مؤتمر أيباك في 21 مارس/آذار 2016 (الأوروبية)

سيطرة حقيقية أم متخيّلة؟

يوافق الباحث المهتم بهذا النطاق موريس سولومون اعتقاد الكثيرين بأن منظمة أيباك هي الأكثر تأثيرا في المشهد الأمريكي، فيما ذكر ستيفن والت أستاذ السياسة في جامعة هارفارد أن السبب الحقيقي وراء وقوف الساسة الأمريكيين مع إسرائيل لا يمكن تفسيره بمنطق المصالح الإستراتيجية أو الاعتبارات الأخلاقية، وإنما يعود بشكل أساسي لقوة أيباك. والواقع أنه لا أحد يكاد يجادل في قوة منظمة أيباك وتأثيرها، ولكن الجدل فقط حول مستوى هذا التأثير، وهل يصل إلى حد السيطرة العملية على صناعة القرار.

والفرضية التي يدافع عنها هذا المقال هي أن منظمة أيباك ليست مؤثرة فحسب، بل هي صاحبة اليد العليا في كل قرار أمريكي يتعلق برسم السياسة الأمريكية تجاه المصالح الإسرائيلية. فإذا كانت الدول تصنع مواقفها في السياسة الخارجية بناء على مجموع المصالح المحلية والوطنية والدولية، فإن الولايات المتحدة حين يتعلق الأمر بإسرائيل تجعل هذه المستويات الثلاثة مستوى واحدا، وهو مستوى المصلحة الإسرائيلية حصرا.

"أيباك هي صاحبة اليد العليا في كل قرار أمريكي يتعلق برسم سياسة واشنطن تجاه إسرائيل"

هذا الأمر اعترف به كثير من الساسة الأمريكيين، فالرئيس الراحل كارتر ذكر في مقابلة له عام 2010 أنَّ أي عضو في الكونغرس ينتقد إسرائيل أو يكشف عن انتهاكاتها للقانون الدولي فغالبا لا يجد نفسه في الكونغرس في الدورة الانتخابية القادمة. ويقول كارتر في المقابلة نفسها إنه لا يوجد عضو برلماني أمريكي يستطيع أن يطلب من إسرائيل الالتزام بالقانون. وقد ذكر النائب الجمهوري توماس ماسي (خسر ترشيحه مؤخرا جزئيا بسبب أيباك) كلاما حاسما في هذا السياق، حين قال بالحرف الواحد: "كل عضو في الكونغرس لديه شخص من أيباك". وحين سأله المحاور: ماذا تعني بشخص من أيباك؟ قال: "إنه مثل الجليس الخاص".

مارغوري تايلور غرين النائبة الجمهورية بالكونغرس عن ولاية جورجيا رفقة توماس ماسي النائب الجمهوري عن ولاية كنتاكي (أسوشيتد برس)

ولرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مقابلة مهمة في ثمانينيات القرن الماضي، حيث سأله المذيع عن كيفية التعامل مع أمريكا في ظل اختلاف مواقف صناع القرار فيها، فأجاب نتنياهو قائلا: "إن الولايات المتحدة لديها مجلسين للكونغرس، وإسرائيل لديها لوبي يهودي قوي"، في إشارة واضحة إلى نفوذ اللوبي اليهودي في هذه المؤسسات المنتخبة. وفي عام 2001، تباهى نتنياهو في مقطع مسرب أثناء حديثه مع مستوطنين بقدرته على التلاعب بأمريكا قائلا: "أنا أعرف ما هي أمريكا.. أمريكا شيء يمكن تحريكه وتوجيهه بسهولة في الاتجاه الصحيح. لن يعترضوا طريقنا".

هذا الاعتراف الواضح بسيطرة أيباك تؤكده معطيات الواقع منذ زمن بعيد. ونتذكر هنا حادثة إقصاء مندوب أمريكا في الأمم المتحدة أندرو يونغ عام 1979 بسبب اجتماعه مع ممثل منظمة التحرير الفلسطينية، فقد شنت عليه منظمة أيباك حملة قوية جعلت الإدارة الأمريكية تحيله إلى التقاعد بعد فترة قصيرة من الاجتماع. ورغم تعدد الأمثلة على هيمنة أيباك، تبقى حرب العراق عام 2003 المثال الأشهر على قدرة المنظمة على توجيه صناعة القرار في الولايات المتحدة بما يخدم المصالح الإسرائيلية.

فهذه الحرب كانت نتيجة تأثير أيباك في رأي الكثير من المراقبين، وقد ذكر مايكل شوير الرئيس السابق لما تسمى "وحدة أسامة بن لادن" في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" أن أيباك كانت المحرك الرئيسي وراء حرب العراق، والسبب وراء تأخير الانسحاب الأمريكي منها. وأكد دوف واكسمان، الأكاديمي المتخصص في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، سيادة هذا الاعتقاد عند الباحثين وإن لم يتفق معه.

ولا ننسى خطاب نتنياهو المشهور في الكونغرس قبيل الحرب على العراق، وحثه الولايات المتحدة صراحة على الهجوم العسكري على بغداد، والغريب أن نتنياهو طالب الولايات المتحدة بالاقتداء بإسرائيل حين ضربت المفاعل النووي العراقي عام 1981 دون أن تستأذن أحدا، لا الأمم المتحدة ولا غيرها، داعيا أمريكا لشن الحرب بدون أن تستأذن أحدا أيضا.

لا تقف هيمنة أيباك عند حدود التأثير المباشر على المواقف الأمريكية، بل إنها تتجاوز ذلك إلى مستوى السيطرة على عالم المصطلحات والمفاهيم، فمثلا معروف أن "معاداة السامية" أمر محظور في أمريكا والغرب، لكن من يحدد معنى معاداة السامية؟ هنا الأمر ليس متروكا للقانون الأمريكي بقدر ما هو متروك لجماعة أيباك نفسها، ولذلك يمكن أن يصنف أي نقد لإسرائيل على أنه "معاداة للسامية"، بل إن مجرد نقد أيباك نفسها يمكن تصنيفه على أنه معاداة للسامية، يقول ستيفن والت: "يصعب الحديث عن تأثير اللوبي الإسرائيلي في الإعلام دون أن يتم اتهامك بمعاداة السامية".

ولدينا تجربة عملية تبرهن ذلك، وهو ما حصل مع النائبة الديمقراطية إلهان عمر التي كتبت تعليقًا في عام 2019 على سؤال حول من الذي يشتري أعضاء الكونغرس، فأجابت على ذلك بقولها: "أيباك". وقد فتحت هذه الإجابة النار على النائبة، وجرى اتهامها بأنها معادية للسامية لمجرد أنها أشارت إلى أيباك، ولذلك لا يمكن في الواقع الفصل بين نقد أيباك واتهامات معاداة السامية.

خذ مثالاً آخر على هيمنة أيباك على عالم المفاهيم، وهو تحديد مفهوم مصطلح "تأييد إسرائيل" إذ لا يمكن للمرء أن يكون مؤيدًا لإسرائيل بالطريقة التي يريدها أو التي يقتنع فعلا بأنها مفيدة لإسرائيل، بل يجب أن يؤيد إسرائيل بالطريقة التي تريدها أيباك حصرا. وهذا الأمر –أعني هيمنة أيباك على عالم المفاهيم– أقرت به المديرة السياسية السابقة للمنظمة ليز شراير، بل إنها جعلته أعظم نجاحات أيباك على الإطلاق.

"اعتبرت ليز شراير المديرة السياسية السابقة لأيباك السيطرة على المفاهيم أعظم نجاحات أيباك على الإطلاق"

وقد صدقت في أنه أعظم إنجازات أيباك؛ لأن هذا الإنجاز هو الذي يقود فعلاً للهيمنة على السياسة الأمريكية؛ إذ إنَّ تأييد إسرائيل محل إجماع في دوائر صناعة القرار الأمريكي، لكن الإشكال هو ما معنى تأييد إسرائيل؟ فإذا نجحت أيباك في تحديد هذه المعاني كان لها بلا شك الكلمة العليا، ولذلك فنجاح أيباك الحقيقي ليس في خلق حالة من الإجماع السياسي للتضامن مع إسرائيل فحسب، بل في أنها جعلت تأييد إسرائيل لا يتحقق إلا وفقًا لمعيار تضعها أيباك نفسها.

ولأجل كل ما سبق فإن هذه المقالة تفترض أن منظمة أيباك قد نجحت فعلاً في تحويل النظام الأمريكي إلى نظام "أيبقراطي"، إذ يصعب بعد كل ذلك تصنيف النظام الأمريكي بأنه ديمقراطي إلا إذا غيّرنا تعريف الديمقراطية نفسها. فقد ذكرنا أن الديمقراطية هي النظام الذي يحقق إرادة الشعب. وعليه، فإنه إذا حال بين إرادة الشعب وصناعة القرار ما يعرقل تجسيدها فلا يصح تسميتها ديمقراطية، وفي الولايات المتحدة هناك أقلية (أيباك) تعلو إرادتها على إرادة الشعب الأمريكي ولو كان ذلك في مجال محدد بعينه.

وإذا كان بعض رؤساء أمريكا أنفسهم (مثل كارتر) وبعض النواب الأمريكيين يصرّحون بخضوع صناعة القرار الأمريكي لأيباك، وإذا كانت المعطيات الواقعية والتجارب التاريخية تثبت ذلك، فكيف بعد ذلك نستطيع القول إن النظام الأمريكي ديمقراطي لا يعلو فيه صوت على صوت الشعب؟ في ضوء ذلك يمكننا أن نفهم التصريح الشهير للمدير السياسي السابق لأيباك ستيفن روزن الذي قال فيه إنه يستطيع جمع تواقيع 70 عضوا في مجلس الشيوخ على منديل فارغ بمجرد أن يطلب منهم ذلك.

المرشحة الديمقراطية السابقة هيلاري كلينتون في مؤتمر أيباك بواشنطن يوم 21 مارس/آذار 2016 (رويترز)

نظام ديمقراطي أم أيبقراطي؟

ولذلك من المنطقي أن تصرّ هذه المقالة على تسمية النظام السياسي الأمريكي بأنه نظام أيبقراطي لا ديمقراطي، إلى أن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه المشرّع الأمريكي نقد أيباك دون الخوف على مستقبله. لقد قالت النائبة الديمقراطية سمر لي يوما تعليقا على تأثير أيباك: "سنخسر ديمقراطيتنا لأنه لا أحد منا كان شجاعا بما يكفي في وجه التأثيرات غير الديمقراطية". مؤكدة أنها تخشى من أن تخسر أمريكا ديمقراطيتها، والواقع أنها خسرتها فعلا.

عند تلك النقطة يُثار الاعتراض الأكبر على هذا الطرح: إذا كانت جماعة أيباك مهيمنة هكذا، فكيف استطاع أوباما هزيمتها بتوقيع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015؟ والحقيقة أنه منذ ابتداء التأثير الجذري لأيباك في الثمانينيات لم يستطع أي رئيس أمريكي هزيمة أيباك، فقد كان رؤساء أمريكا إما مطاوعين لها أو مختلفين معها ودفعوا ضريبة ذلك أو استفادوا من ثغرات أيباك. وفي اعتقادي أن ما فعله أوباما كان من النوع الأخير، وهو استغلال حالة الاختلاف حول هذه الاتفاقية، إذ لم يكن هناك إجماع في أيباك وحتى في إسرائيل نفسها على رفضها.

"عبر نواب أمريكيون عن مخاوفهم من أن تخسر أمريكا ديمقراطيتها، والواقع أنها خسرتها فعلا"

وقد اعترف بحالة الاختلاف هذه الباحث الإسرائيلي جوناثان رينولد، والأهم من ذلك أنه أشار إلى أن 7 من 9 نواب يهود في الحزب الديمقراطي صوتوا لصالح الاتفاقية. ولذلك لا تعد هذه الاتفاقية دليلاً على غياب تأثير أيباك أو حتى ضعفه، فلم يكن هناك إجماع من المنظمة نفسها على هذا الأمر، ولم يكن هناك إجماع من النواب اليهود الديمقراطيين على ذلك، بل إن غالبية النواب اليهود الديمقراطيين كانوا معها.

هذا علاوة على أنه من المعروف أن الرئيس الأمريكي في آخر سنتين من ولايته الثانية يكون أكثر تحررا من الالتزامات، نظرًا لأنه لم يعد محتاجا لأي دعم انتخابي، وتوقيع الاتفاق النووي الإيراني جاء في هذه المرحلة تحديدًا من عهد أوباما.

هل يمكن تفكيك هيمنة أيباك؟

إذا كانت أمريكا ليست ديمقراطية بسبب هيمنة أيباك، وإذا كانت أيباك مشروعًا طارئا، فإذن رجوع أمريكا إلى الديمقراطية مرتبط بزوال هذه المنظمة أو على الأقل زوال سطوتها، فهل يمكن تفكيك هيمنة أيباك؟

ذكرنا أن قوة أيباك تعود إلى ثلاثة أمور: حجم الخدمة وهيمنة السردية، والحاضنة الإنجيلية. وإذا كان هذا هو مصدر القوة فإن غزة تحديدا تشكل تحديًا حقيقيًا لاستمرار هذه القوة. ففيما يتعلق بالسردية الصهيونية، فإن الإبادة الجماعية التي رآها الجميع بالصوت والصورة ترسخت بقوة في الوعي الغربي، خارقة فكرة "المظلومية" التي تستثمرها الصهيونية في بناء سرديّتها.

أما من حيث قوة الدعم فقد خلفت حرب غزة فعالية كبيرة لدى المسلمين الأمريكيين والمتعاطفين مع القضية الفلسطينية من عموم التيار اليساري، وهو ما أدى لزيادة الدعم المالي لخصوم أيباك. وهذا الدعم الكبير أدى إلى زيادة الكُلفة على أيباك، ولنأخذ مثالا على ذلك ما حصل للمرشح الديمقراطي جمال بومان فقد كانت هزيمته أمام المرشح المدعوم من أيباك جورج لاتيمر أكبر دليل على حالة التحوّل التي طرأت على الناخبين بعد أحداث غزة، ويرى الكاتب ومحلل البيانات السياسية الأمريكي بين ديفيس أن هزيمة بومان "تخفي تحولا كبيرا في ميزان القوى داخل السياسة الأمريكية".

"كلفت هزيمة جمال بومان أيباك أكثر من 25 مليون دولار، ما جعلها أغلى انتخابات تمهيدية في تاريخ أمريكا"

والسبب في أن هزيمة بومان أعطت هذا الانطباع يعود إلى حقيقة أنها كلفت أيباك حوالي 25 مليون دولار، وهو ما جعلها أغلى انتخابات تمهيدية في تاريخ الولايات المتحدة. وما حصل للمرشح بومان تكرر مع المرشحة كوري بوش التي هددت بتدمير مملكة أيباك، فاضطرت منظمة أيباك أن تنفق ما يزيد على 8 ملايين دولار لهزيمتها.

ولا شك أن هزيمة أيباك لبومان وكوري بوش تدل على قوة أيباك الهائلة، فبومان مثلا استطاع أن يخرج إليوت أنغل عام 2020، بعد احتكار مقعده في الكونغرس لأكثر من 30 عاما في 16 ولاية متعاقبة، لكن حين اصطدم بومان مع أيباك بسبب غزة استطاعت المنظمة هزيمته. ولكن هذه الهزيمة كانت بكلفة عالية جدًا، ولك أن تتخيل أن أيباك أنفقت أكثر من 30 مليون دولار لهزيمة مرشحين اثنين فقط، وهذا ما دفع بن ديفيس للقول إنه إذا كانت كل انتخابات ستكلف أيباك وحلفاءها نحو 20 مليون دولار فهي إستراتيجية غير مستدامة.

أما مسألة تعويل أيباك على المسيحية الصهيونية فهذه معضلة حقيقية يصعب تفكيكها في ظل هيمنة البروتستانتية (خاصة الإنجيليين) على المشهد الديني الأمريكي، وإن كانت فرص ذلك تزداد أكثر في أروقة الحزب الديمقراطي مع صعود التقدميين.

غير أن اتحاد القناعات العقائدية مع السطوة المالية لصالح إسرائيل يضع واشنطن أمام حقيقة صادمة؛ فالمسألة لم تعد مجرد نفوذ للوبي عابر، بل تحول هيكلي استثمر الثغرات الديمقراطية الأمريكية ليصنع واقعا تتقدم فيه مصلحة إسرائيل على إرادة الناخب الأمريكي. وبينما تفرض أحداث غزة والثورة الرقمية كلفة مادية غير مستدامة على المنظمة، يبقى المشهد معلقا بين مطالبات حيية بتصحيح هذا الانحراف واستسلام معتاد لسطوة الضغط. وطالما بقي المشرّع الأمريكي يخشى نقد هذه المنظومة حفاظا على مستقبله السياسي، فإن التوصيف الحقيقي لأمريكا سيبقى متأرجحا في المنطقة الرمادية، حيث الواجهة ديمقراطية دستورية، لكن العمل الحقيقي محكوم بنظام "أيبقراطي" مكتمل الأركان.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا