طرابلس – في ظل حراك دبلوماسي واستخباراتي إقليمي متسارع، تقف الأزمة الليبية على أعتاب منعطف حاسم تقوده مبادرة أمريكية تسعى لإنهاء الانقسام المؤسسي وتوحيد السلطة، وبعد نجاحها في حصد تأييد واسع في شرق البلاد، تنتقل كرة الاختبار اليوم إلى ملعب الغرب الليبي.
وكسر إعلان القيادي البارز عبد الحكيم بلحاج دعمه للمبادرة حاجز الصمت في طرابلس، واضعا حكومة الوحدة الوطنية أمام استحقاق تحديد الموقف، ليبرز التساؤل الأهم: هل تنجح واشنطن في بناء توافق عابر للانقسامات التقليدية، أم تلحق مبادرتها بسلسلة التسويات المتعثرة؟
وتصاعد الجدل عقب إعلان رئيس حزب الوطن عبد الحكيم بلحاج دعمه للمبادرة الأمريكية في بيان صدر يوم 21 يونيو/حزيران 2026، دعا فيه إلى التعاطي الإيجابي معها وطالب حكومة الوحدة الوطنية بإعلان موقف واضح منها.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه الملف الليبي حراكا سياسيا متسارعا، بعد إعلان المجلس الرئاسي ومجلسي النواب والدولة وثيقة مبادئ وخارطة طريق جديدة في 17 يونيو/حزيران، وإحاطة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في 19 يونيو/حزيران، والتي عرضت خلالها مخرجات الحوار المهيكل، إلى جانب تحركات إقليمية ودولية متزايدة مرتبطة بمستقبل العملية السياسية في البلاد.
ورغم إقراره بوجود تحديات تتعلق بأزمة الثقة وغياب بعض التفاصيل، دعا الراعي الأمريكي إلى تقديم ضمانات واضحة للأطراف الليبية، كما طالب حكومة الوحدة الوطنية بإعلان موقف مؤيد للمبادرة وتحديد الضمانات التي تراها ضرورية لإنجاحها.
ويُعد بلحاج، رئيس حزب الوطن والقائد السابق للمجلس العسكري لطرابلس خلال أحداث 2011، من الشخصيات السياسية المعروفة في غرب ليبيا، وإن تراجع حضوره السياسي خلال السنوات الأخيرة مقارنة بمراحل سابقة.
تأتي أهمية موقف بلحاج في توقيته أكثر من مضمونه، إذ يصدر بعد أسابيع من إعلان القيادة العامة دعمها للمبادرة الأمريكية، وتأييد أكثر من مئة عضو بمجلس النواب لها باعتبارها فرصة لتحريك الجمود السياسي.
وترى عضو مجلس النواب عائشة الطبلقي، في تصريح خاص للجزيرة نت، أن ما يميز المبادرة عن غيرها أنها تقوم على تفاهم بين طرفين يمتلكان نفوذا فعليا على الأرض، معتبرة أن ظهور أصوات جديدة مؤيدة لها داخل غرب ليبيا قد يعزز فرص نجاحها ويزيد من إمكانية قبولها على نطاق أوسع.
وأضافت أن المبادرة تحتاج إلى نقاش موسع داخل المؤسسات الرسمية وورش عمل متخصصة لفهم أهدافها وآليات تنفيذها والضمانات الكفيلة باستمرارها، مؤكدة أنها كانت من أوائل أعضاء مجلس النواب الذين أعلنوا دعمهم لها.
لكن حجم التأييد الحقيقي للمبادرة لا يزال محل جدل، وقال عضو المجلس الأعلى للدولة محمد المعزب، في تصريح خاص للجزيرة نت، إن عددا من أعضاء مجلس النواب أكدوا له بشكل غير معلن أن أسماءهم أُدرجت ضمن قوائم المؤيدين للمبادرة دون علمهم أو موافقتهم المسبقة.
وأضاف أنه يميل إلى تصديق هذه الرواية، معتبرا أن الجدل المثار حول الأسماء الواردة في بيانات التأييد يعكس حالة من عدم الوضوح بشأن حجم الدعم الفعلي الذي تحظى به المبادرة داخل بعض الأوساط السياسية.
لا توجد حتى الآن مؤشرات على تشكل اصطفاف سياسي واسع داخل غرب ليبيا خلف المبادرة الأمريكية، غير أن عددا من الباحثين يرون أن النقاش حولها بدأ يتوسع خارج الدوائر التقليدية.
ويقول الباحث في شؤون الأمن القومي فيصل بوالرايقة، في تصريح خاص للجزيرة نت، إن بيان بلحاج يمثل إشارة سياسية مهمة داخل غرب ليبيا، موضحا أنه لا يكفي لاعتباره تحولا واسعا في المواقف، لكنه في الوقت ذاته ليس موقفا عاديا بالنظر إلى ما يمثله بلحاج من رمزية لدى جزء من المشهدين السياسي والعسكري في المنطقة الغربية.
وأضاف أن أهمية البيان تكمن في كونه يعكس بدء المبادرة الأمريكية في فتح نقاش داخل بيئات سياسية كانت متحفظة تجاهها، مشددا على أن تحول هذا النقاش إلى اتجاه سياسي واضح يتطلب صدور مواقف أوسع من القوى المؤثرة في طرابلس ومصراتة والزاوية وغيرها من مراكز التأثير بغرب البلاد.
أما الباحث والمحلل السياسي إلياس الباروني، فرأى أن تصريحات بلحاج لا تمثل إجماعا داخل المنطقة الغربية، لكنها تكشف عن وجود تيار متنامٍ داخل بعض الأوساط السياسية بدأ يتعامل بواقعية أكبر مع المبادرة الأمريكية.
وأوضح أن هذا التوجه يرتبط بحالة الإحباط المتزايدة من تعثر المسارات الأممية، إلى جانب قناعة متزايدة لدى بعض الفاعلين بأن واشنطن قد تكون الجهة الوحيدة القادرة على دفع الأطراف المتصارعة نحو تسوية سياسية.
في المقابل، قلل محمد المعزب من أهمية موقف بلحاج، معتبرا أنه يمثل محاولة لإرسال رسالة إلى جهات دولية مفادها استعداده للتعاطي مع الطروحات السياسية المطروحة والانخراط في أي مسارات تفاوضية محتملة.
وأضاف أن بلحاج يسعى من خلال هذا الموقف إلى تقديم نفسه باعتباره طرفا يمكن أن يكون جزءا من أي ترتيبات سياسية مستقبلية، إلا أنه استبعد أن يترتب على ذلك تأثير سياسي ملموس، معتبرا أن ما قام به "أقرب إلى قفزة في الهواء لن يُحسب لها حساب يذكر في موازين القوى أو في مسار النقاشات الجارية بشأن المبادرة".
لم تُنشر حتى الآن وثيقة رسمية متكاملة للمبادرة، إلا أن التصريحات الصادرة عن مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس أظهرت تركيزها على عدد من الملفات الرئيسية، أبرزها توحيد السلطة التنفيذية، وإنهاء حالة الانقسام المؤسسي، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية، وتعزيز التوافق بين المؤسسات السياسية الرئيسية.
وخلال مؤتمر صحفي عقد في القاهرة الأسبوع الماضي، تحدث بولس عن وجود "تفاؤل حذر" بشأن ليبيا، مشيرا إلى أن ممثلين عن الشرق والغرب الليبيين باتوا يناقشون ملفات مشتركة للمرة الأولى منذ فترة طويلة".
إلا أن المعزب يرفض توصيف ما يجري باعتباره مبادرة أمريكية مكتملة الأركان، مؤكدا أن المجلس الأعلى للدولة لم يتلق أي وثيقة رسمية بهذا الاسم، وأن ما يُتداول حتى الآن لا يتجاوز تصريحات إعلامية تتعلق ببعض المقترحات المرتبطة بالأزمة الليبية.
حتى الآن لم تعلن حكومة الوحدة الوطنية موقفا رسميا واضحا من المبادرة الأمريكية، وكانت الحكومة قد رحبت بمخرجات الحوار المهيكل الذي ترعاه الأمم المتحدة، مؤكدة دعمها للمسار السياسي والجهود الرامية إلى إنهاء المراحل الانتقالية.
ويرى الباروني أن حذر الحكومة لا يعني بالضرورة رفض المبادرة، بل يرتبط بعدة اعتبارات، أبرزها انتظار اتضاح الموقف الأمريكي النهائي، وتجنب إثارة الانقسامات داخل معسكر الغرب الليبي، إضافة إلى محاولة الحفاظ على هامش للمناورة السياسية في ظل توازنات معقدة.
ويتزامن الجدل حول المبادرة مع تحركات إقليمية ودولية متزايدة، ففي القاهرة عقد اجتماع ضم وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا إلى جانب مسعد بولس، وناقش عددا من الملفات الإقليمية من بينها ليبيا.
كما أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية تأسيس آلية إقليمية جديدة باسم R-4 تضم باكستان ومصر والسعودية وتركيا بهدف تعزيز التعاون الإقليمي ودعم الاستقرار.
وترافقت هذه التحركات مع نشاط استخباراتي لافت، إذ زار رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد طرابلس والتقى رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، بينما زار رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن بنغازي والتقى صدام حفتر، حيث ناقش الطرفان جهود توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار.
ويرى بوالرايقة أن هذه التحركات تعكس محاولة إقليمية ودولية لتهيئة بيئة تسمح بإطلاق ترتيبات سياسية جديدة، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تتعامل مع المبادرة باعتبارها رافعة للمسار الأممي وليست بديلا عنه.
ويضيف أن ليبيا تتحرك حاليا بين احتمالين: التوصل إلى تسوية سياسية جديدة أو إعادة ترتيب موازين القوى بين الأطراف المختلفة، مؤكدا أن ما يجري حاليا لا يمثل اتفاقا نهائيا بقدر ما يمثل مرحلة لاختبار المواقف والضمانات.
ويبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت المبادرة الأمريكية ستنجح في بناء قاعدة دعم عابرة للانقسام التقليدي بين الشرق والغرب، أم أنها ستنضم إلى قائمة طويلة من المبادرات التي اصطدمت بتعقيدات المشهد الليبي قبل أن تتحول إلى مسار سياسي فعلي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة