في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
منذ بدء عدوانها، تتعامل إسرائيل مع جنوب لبنان لا باعتباره جبهة عسكرية فقط، بل باعتباره مساحة تريد إعادة تشكيلها وفق مخططاتها المرسومة، وهو ما يظهر في عمليات التدمير الممنهج التي ينفذها الجيش الإسرائيلي وتحذيرات الإخلاء لعشرات القرى والبلدات، واحتلال مواقع محددة.
ويفكك تقرير لقناة الجزيرة أعده صهيب العصا المشهد الحالي في جنوب لبنان، وما فعلته إسرائيل خلال الشهور الماضية من الحرب، مبرزا ملامح تغير شكل المنطقة.
وبالإضافة إلى التدمير وتهجير السكان، أبقت إسرائيل على وجودها في 5 مواقع بعد وقف إطلاق النار، موزعة على مرتفعات ومناطق تشرف على أجزاء واسعة من الجنوب، بينها مواقع قرب تلال إستراتيجية ومناطق مطلة على بلدات حدودية ومسارات حركة رئيسية.
وبدت النقاط الخمس لكثيرين أكثر من مجرد مواقع عسكرية محدودة المساحة، بل إشارة إلى أن إسرائيل لا تظهر راغبة في العودة إلى شكل الجنوب كما كان قبل الحرب.
ويشير تقرير الجزيرة إلى أن التحول لم يتوقف عند النقاط الخمس، فما تغيّر لاحقا كان أكبر بكثير من مواقع محددة أو تلال مرتفعة.
فقبل الحرب، كانت القرى الحدودية -مثل عيتا الشعب وكفركلا والعديسة وميس الجبل ومارون الراس- جزءا من حياة جنوبية متصلة بالأرض؛ بيوت ومدارس وحقول وطرقات وحركة يومية صنعت على مدى عقود هوية هذه المنطقة.
أما اليوم، فالمشهد مختلف؛ دمار واسع، وقرى تغيّرت ملامحها، ومناطق فقدت جزءا من شكلها السابق.
كما لم يقتصر الأمر على القرى الحدودية وحدها، ف مدينة صور، التي بقيت مركزا رئيسيا لاستقبال النازحين خلال الحرب تعرّضت لسلسلة من الغارات الإسرائيلية التي استهدفت أحياء ومباني ومنشآت داخل المدينة ومحيطها.
ومع أن صور لم تكن جزءا من الشريط الحدودي المباشر، فإن استهدافها -بحسب تقرير الجزيرة- حمل رسالة بأن تأثير الحرب يتجاوز خط المواجهة نفسه ليطال العمق الجنوبي أيضا.
وحوّل العدوان الإسرائيلي مدينة صور التي كانت تشكل ملاذا للنازحين ومركزا للحياة والخدمات في الجنوب إلى جزء من مشهد الحرب، بما رافقه من نزوح إضافي واضطراب في الحركة الاقتصادية والاجتماعية.
أما أحد أبرز التحولات التي طرأت على جنوب لبنان، فكان التغير الديمغرافي، فخلال الحرب، تجاوز عدد النازحين في لبنان مليون شخص، فيما شملت أوامر الإخلاء أكثر من 100 قرية وبلدة، معظمها في الجنوب.
ويلفت تقرير العصا إلى أن شكل أوامر الإخلاء التي يصدرها الجيش الإسرائيلي في كل يوم تقريبا يثير التساؤلات، فعند وضعها على الخريطة، تبدو وكأنها ترسم حزاما واسعا يمتد بمحاذاة الحدود ويتوسع في بعض المناطق نحو الداخل.
ويشير إلى أنه مع طول أمد الحرب، لم يعد السؤال متعلقا بخروج السكان فقط، بل بقدرتهم على العودة، فكلما طال الغياب، وتضررت البيوت والمدارس والخدمات والزراعة، أصبحت العودة أكثر تعقيدا.
وفي قلب هذا التحول، بدأ يظهر ما بات يُعرف بالخط الأصفر الإسرائيلي داخل جنوب لبنان، وهو الخط الذي رسمته إسرائيل عبر عمليات تجريف واسعة وإزالة للأشجار وفتح مساحات مكشوفة بمحاذاة الحدود، ويرى اللبنانيون أنه لا يتعلق بخط جديد فقط، بل بتغيير فعلي في شكل الأرض ووظيفتها.
ويشير تقرير الجزيرة أيضا إلى مسألة التحول البيئي في جنوب لبنان، وهو منطقة زراعية، فقد استخدمت إسرائيل خلال الحرب أسلحة أثارت انتقادات واسعة، بينها قذائف الفسفور الأبيض، حيث إن هذه الأسلحة لا يتوقف أثرها عند لحظة القصف فقط، فالحرائق الواسعة، وتضرر الغطاء النباتي، وإصابة مساحات من الأراضي، قد تترك آثارا تمتد لسنوات.
كما يترك العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان تحولا إنسانيا -بحسب تقرير الجزيرة- فالقرى لا تُقاس بعدد البيوت فقط، بل بعلاقات الناس، المدرسة، والحقل، والطريق، والذاكرة اليومية، وحين يغيب الناس لفترة طويلة، وتُكسر دورة الحياة المعتادة، لا يتغير المكان وحده، بل يتغير الإنسان أيضا.
وخلص تقرير الجزيرة إلى أنه بين النقاط الخمس، وأوامر الإخلاء، والخط الأصفر، والنزوح، والأرض المتضررة، والقرى التي تبدّلت ملامحها، يبدو السؤال أكبر من مجرد انسحاب من مواقع عسكرية: هل يعود جنوب لبنان كما كان؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة