غابت مظاهر الاحتفال التقليدية عن محافظة السويداء ومناطقها الريفية هذا العام، لتحل محلها طقوس حداد جماعي غير مسبوقة. ففي خطوة تعكس عمق الصدمة المجتمعية الناتجة عن أحداث تموز الدامية في العام الماضي، تحولت شوارع المدينة وأسواقها من أماكن للتبضع والفرح إلى فضاءات صامتة يسيطر عليها الحزن، فيما اكتفت العائلات باستقبال التعازي بدلاً من تهنئة العيد.
وجاء هذا التحول الجذري استجابة لدعوات أهلية واجتماعية واسعة لإلغاء مظاهر البهجة احتراماً لدماء الضحايا وتقديراً لوجع الأسر الثكلى. وفي هذا الإطار، كان للشيخ حكمت الهجري أحد أبرز الزعماء الروحيين للطائفة الدرزية، دور محوري في رسم ملامح المناسبة قبل حلولها بأيام، إذ دعا أهل السويداء صراحةً إلى "الاقتصار على المراسم والطقوس الدينية في الأماكن المخصصة لها فقط"، مؤكداً أن هذا الإجراء يأتي "احتراماً لمشاعر الحزن والألم المشتركة ولدماء الضحايا التي لم تجف بعد في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة".لتتحول هذه الدعوة الصادرة عن المرجعية الروحية إلى أساس استند إليه المجتمع في قراره الجماعي بتحويل أيام العيد إلى مناسبة للمواساة والصمت، بعيدا عن أي مظاهر احتفالية معتادة.
وفي حين اعتاد المجتمع الدرزي على تحضيرات مكثفة خلال أيام "العشر" تشمل تنظيف البيوت وشراء الثياب الجديدة ومواساة المنكوبين، فإن عام 2026 شهد انكفاءً عاماً، حيث لم يخلُ بيت من قصة فقدان أو مأساة جعلت من فكرة الاحتفال أمراً مستبعداً لدى الغالبية العظمى من السكان.
في هذا السياق، رصد شريف أبو ترابي، الطالب الجامعي الذي توقف تعليمه بسبب الأوضاع، واقع السوق بقوله لـ"يورونيوز": "أقف اليوم في السوق، فلا أجواء عيد ولا ما يدفع الناس إلى الفرح. هناك نقمة في الجبل وحداد، والوضع صعب جداً. الناس بالكاد تملك المال لتأمين احتياجاتها اليومية، وأعمالنا متوقفة، فلا حركة في السوق ولا زبائن".
وأضاف، مشيراً إلى تأثير العوامل الاقتصادية: "الأسعار متفاوتة، لكن كل شيء مرتبط بحالة الغلاء، فالدولار والسوق السوداء يؤثران كثيراً على الأسعار والمواد الأولية، وليس فقط على البضاعة الخاصة بالعيد. غالبية الناس تشتكي من ارتفاع الأسعار".
تتجاوز معاناة السكان الجانب المادي لتلامس جروحاً نفسية عميقة خلفتها الأحداث الدموية الأخيرة. ويعبر أبناء المدينة عن هذا الألم بأشكال مختلفة، لكنها تلتقي جميعها عند حالة الحزن الجماعي وغياب أي شعور بالعيد.
من جانبه، عبّر صقر أبو صعب عن شعور عميق بالألم والغبن، قائلاً لـ"يورونيوز": "أنا أولاً أعتز بأنني من جبل الباشان، من هذا البلد الذي أصابه ألم لا يوصف. في هذه المناسبة، مناسبة عيد الأضحى المبارك، لا نعيشها بالشكل الذي ينبغي أن تُعاش به، لأننا في مصيبة. الناس يعزّي بعضهم بعضاً بأبنائنا الذين فقدناهم، وبأهلنا الذين فقدناهم، وبالأطفال الذين فقدناهم، وبالكادر الذي فقدناه والذي لا يُعوّض أبداً".
وشدد على التناقض بين تطلعات السكان والواقع الحالي: "نحن دعاة سلام في كل الدنيا، شعب واعٍ مثقف يحب الناس والمجتمعات الإنسانية. لكن هذا الإرهاب المحترف الخائن.. نحن رفضنا النظام السابق قلباً وقالباً، وتفاءلنا بنظام أفضل يخلصنا من الهموم والمشاكل وتراكمات ستين سنة، لكننا تفاجأنا بأن هذا النظام أسوأ بكثير وأحقر من النظام السابق. لذلك فإن هذه المناسبة غصة وألم وحزن كبير نعيشه، ولا يمكن أن ننساه. لا سبيل غير الاستقلا ل عن هذه الحكومة الخائنة الإرهابية".
بدورها، تحدثت سهى الحلبي، المقيمة في مدينة السويداء، عن اتساع رقعة الحزن لتشمل مختلف مكونات المجتمع. وقالت لـ"يورونيوز": "لا عيد، الوجع كبير، والحزن اتسع ليشمل المدى بأكمله. من دائرتي الأولى لم أفقد أحداً، لكننا من حارتنا ومن أقاربنا ومن أصدقائنا فقدنا كثيرين. وحتى الذين لا تربطنا بهم صلة قرابة، كلهم أهلنا، فنحن في السويداء كلنا أهل. ألم الجميع يعنينا".
وأضافت: "نتمنى أن تتحسن الأحوال، وأن يكون الفرج قريباً، وأن تعود الفرحة، لأن الفرحة قُتلت في قلوبنا وفي حياتنا، والوضع صعب. لا كلام يوصف".
ومن منظور جيل الشباب الذي اضطر إلى النضوج المبكر، قارن فجر الصحناوي (17 عاماً) بين عيده الماضي والحالي بقوله لـ"يورونيوز": "تغيّر كل شيء عن السنة الماضية . كنا نجهز نقودنا وملابسنا وكل شيء لنفرح بالعيد. أما هذه السنة فلا أحد لديه رغبة في ذلك، ولا أحد يجدها مناسبة لأن يعيّد، فهناك خمسة آلاف قطرة دم وقعت على الأرض، وهذا الأمر لا يليق بنا كأهل السويداء، أهل الكرم والكرامة".
واستذكر المشاهد المؤلمة التي شهدها قائلاً: "في العيد الماضي اجتمعنا كشباب، كل منا يرتدي ملابسه الجديدة، وكنا نلتقط الصور ونجمع النقود، أحدهم يركب دراجة نارية وآخر يمتطي حصاناً. أما هذه السنة فاختلفت كثيراً، كبرنا قبل أواننا بكثير. صرنا نرى الدماء، وشهدنا المجازر، ورأينا أطفالاً مقتولين ونساءً مقطوعة رؤوسهن، شهدنا أموراً لا ينبغي لإنسان أن يتصورها أو يراها".
وختم معرباً عن أمل يختزل مزاج شريحة واسعة من أبناء المحافظة: "نقول إن شاء الله الفرج قريب على الدروز، والدرزي مهما ضاقت عليه الأيام يعود ليشق الليل ويلمع".
لم يقتصر الحزن على المنازل، بل امتد إلى الفضاء العام، حيث تحولت الطرقات إلى أماكن لاستقبال المعزين. وتصف أم حسام (84 عاماً)، وهي من كبار السن في المنطقة، هذا العيد بأنه الأصعب في حياتها الطويلة التي شهدت حروباً متعددة.
وقالت: "نحن نعزّي بعضنا بعضاً من شدة الهم، كل بيت فقد عزيزاً، ليس بالضرورة أن يكون ابنك أو ابن جارك، فالكل ولد واحد وبيت واحد. هذا العيد صعب على الناس، لأن الناس كانوا يُدفنون فوق بعضهم بعضاً، ولم نعد كما في السابق نعزّي في البيوت، بل صرنا نعزّي في الطرقات. يحزّ في نفسي ما حلّ ببلدنا من دمار".
وأشارت إلى التغير في الوضع المعيشي بقولها: "هذه السنة هي الأصعب على الإطلاق. بلغت من العمر أربعة وثمانين عاماً، شهدت حروباً تتلوها حروب، لكن هذه أول مرة نشهد فيها هذا القدر من الفقر وقلة العمل وتراجع التعليم. بات من الصعب على كثير من العائلات أن تُسجل أبناءها في الجامعات أو تتابع تعليمهم، سواء في بيتي أو في بيوت غيري".
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة