قد لا يعلم كثيرون أن شرائح اللانشون الرقيقة التي يضعونها في شطائر الإفطار، تحمل في طياتها قصة إنسانية بدأت في قلب إحدى أشد أزمات القرن العشرين الاقتصادية. من مطابخ الفقراء في أمريكا خلال ثلاثينيات القرن الماضي، إلى حقائب الجنود في الحرب العالمية الثانية، ثم إلى موائد العالم.
ورغم أن اسم "اللانشون" يتداول بأسماء مختلفة حول العالم مثل "لحم الغداء" (Luncheon meat) أو الاسم التجاري الأشهر "سبام" (Spam)، فإن هذا المنتج يحمل رحلة تستحق أن تُروى، وجدلا مستمرا يستدعي الحسم حول فوائده وأضراره الغذائية.
كلمة "لانشون" معربة من الإنجليزية (Luncheon) وتعني وجبة الغداء، ومنها جاء مصطلح "لحم وجبة الغداء".
في أكتوبر/تشرين الأول 1929 انهار سوق الأسهم الأمريكي واندلعت الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة المعروفة بـ" الكساد الكبير". في تلك السنوات العصيبة فقد الملايين وظائفهم وتراجعت دخول الأسر إلى مستويات قياسية، وصار السؤال الملح: كيف يمكن إطعام الأسرة بأقل تكلفة ممكنة؟
في هذا السياق ظهرت فكرة اللحوم المعلبة الرخيصة التي لا تحتاج إلى تجهيز معقد ولا تعتمد على التبريد المستمر ولها عمر افتراضي طويل، فأصبحت خيارا واقعيا لكثير من الأسر محدودة الدخل في مدن كبرى مثل نيويورك. ومن هذه المحاولات وُلدت وجبة اللانشون بوصفها "حلا عمليا" أكثر من كونها رفاهية غذائية.
في عام 1937، أطلقت شركة "هورمل فودز" (Hormel Foods) من بلدة أوستن في ولاية مينيسوتا الأمريكية منتجها الذي غير تاريخ الأغذية المعلبة. ولجذب انتباه الجمهور أعلنت الشركة عن مسابقة لاختيار اسم للمنتج بجائزة قدرها 100 دولار، فاز بها الممثل كين دايني، شقيق المدير التنفيذي للشركة، بعد اقتراحه اسم "سبام" (Spam).
لم يُكشف رسميا حتى اليوم عن المعنى الحقيقي للاسم، لكنه لصق بالمنتج حتى أصبح علامة شبه مرادفة للحوم المعلبة. ومع نهاية سنوات الكساد، استقبلت ربات البيوت المنتج بحفاوة لرخص ثمنه وسهولة استخدامه في الشطائر والوجبات السريعة.
كان اللانشون جزءا أساسيا من حصص الجنود الأمريكيين على الجبهات، فمدة صلاحيته الطويلة وسهولة حمله وتخزينه جعلته مناسبا لحقائب الجنود في مختلف مسارح العمليات. ويقدّر أن الجيش الأمريكي استهلك ما يزيد على 150 مليون رطل من "سبام" قبل نهاية الحرب.
لكن هذا الحضور المكثف لم يخلُ من التذمر، فقد كتب بعض الجنود رسائل إلى الشركة يشكون فيها من وجوده في كل وجبة تقريبا. وفي المقابل، حمل الجنود معهم هذا المنتج إلى أماكن لم تعرفه من قبل، مثل الفلبين وكوريا واليابان وهاواي وهونغ كونغ وجزر المحيط الهادي. ومع ندرة اللحوم الطازجة بعد الحرب أصبح اللانشون جزءا من المطبخ الشعبي في عدد من البلدان، يدخل في وصفات بسيطة مثل المعكرونة والبيض المقلي إلى جانب الشطائر.
قبل نحو 100 عام، كانت آلية تصنيع اللانشون تعتمد على فرم اللحم وطهيه ثم ضغطه في قوالب وحفظه بالتمليح. لكن مع الثورة الصناعية وحاجة المصانع إلى منتج يتحمل النقل والتخزين لأشهر، تغير تركيب المنتج الداخلي وإن ظل شكله الخارجي كما هو.
أضيفت أملاح النترات والنتريت، لا للحفظ فقط، بل لأنها تدخل في تفاعل كيميائي مع بروتين اللحم فتمنحه اللون الوردي المميز وتطيل صلاحيته. كما أضيف فوسفات الصوديوم لربط الماء وتحسين القوام، إلى جانب السكر والنشا لتحسين المذاق، والملح بكميات تفوق ما نحتاجه في الطهي المنزلي.
وتزامن ذلك مع انتشار تقنية "اللحم المفصول آليا"، حيث تُنزع بقايا اللحم من العظام بضغط عالٍ لتخرج في صورة عجين لا يشبه اللحم في بنيته الطبيعية، ويخلط هذا العجين مع مكونات مثل الجلد والغضاريف والدهون. وهكذا يبدأ المنتج رحلته من مواد فقدت شكلها الأصلي قبل دخولها مراحل المعالجة الكيميائية والحرارية المختلفة.
بعد اكتمال الخلط، يضخ الخليط في قوالب معدنية محكمة ويعرّض للسلق أو البخار على درجات حرارة محددة. هذا "الطبخ" لا يشبه الطهي المنزلي الذي يحول قطعة لحم نيئة إلى مطهوة، بقدر ما يهدف إلى تثبيت شكل منتج جرى تشكيله كيميائيا مسبقا. ثم تأتي مرحلة التبريد السريع والتعبئة ليصل إلى رف المتجر في صورته المعروفة.
هناك فارق جوهري بين:
هذا الفارق يؤثر في مدة التخزين وطريقة الاستخدام، لكنه لا يلغي التشابه في طبيعة كونهما لحوما مصنّعة تعتمد بكثافة على الإضافات والملح.
يتساءل كثيرون: ماذا يدخل فعلا في صناعة اللانشون؟ الإجابة تختلف باختلاف الماركات وقوانين الرقابة على الغذاء من بلد إلى آخر.
لذلك يعد الاطلاع على قائمة المكونات ونسبها خطوة أساسية قبل اختيار المنتج.
في أكتوبر/تشرين الأول 2015، أصدرت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) -التابعة لمنظمة الصحة العالمية– تقريرا صنفت فيه اللحوم المصنّعة، ومنها اللانشون، ضمن المواد "المسرطِنة للإنسان"، استنادا إلى مراجعة أكثر من 800 دراسة علمية أجراها 22 خبيرا من 10 دول.
وتشمل فئة اللحوم المصنعة كل لحم جرى حفظه أو معالجته بإحدى الطرق الآتية: التمليح أو التدخين أو التخمير أو إضافة مواد حافظة كيميائية.
وجد فريق الخبراء أن تناول 50 غراما يوميا من اللحوم المصنّعة يرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم بنسبة 18% مقارنة بمن لا يتناولها بانتظام.
لا يعني هذا أن كل من يأكل اللانشون سيصاب بالسرطان، لكنه يشير إلى أن الإفراط في هذه المنتجات يزيد من الخطر على المدى الطويل، خاصة مع عوامل أخرى مثل التدخين وقلة الحركة والسمنة.
توصي منظمة الصحة العالمية بالحد من استهلاك اللحوم المصنعة يوميا قدر الإمكان، مع الالتزام بجملة من الإرشادات التي ينصح بها خبراء التغذية:
مركبات النترات والنتريت في اللحوم المصنعة قد تتحول داخل المعدة إلى "نيتروزامينات"، وهي مواد يمكن أن تلحق ضررا بالحمض النووي لخلايا الجهاز الهضمي مع الزمن.
يساعد تناول أطعمة غنية بفيتامين "سي" -مثل الطماطم والفلفل وعصير الليمون- في الحد من تكوّن هذه المركبات الضارة.
القلي العميق أو الشواء المباشر على نار قوية يزيد من تكوّن مركبات ضارة إضافية، مثل الهيدروكربونات العطرية المتعددة الحلقات والأمينات الحلقية غير المتجانسة.
الأفضل تسخين اللانشون برفق إن لزم الأمر، أو تناوله كما هو دون تعريضه لحرارة مفرطة.
ينصح بأن يبقى اللانشون اختيارا عابرا لا جزءا يوميا ثابتا من النظام الغذائي، مع التركيز على مصادر البروتين الطازجة مثل البقوليات والأسماك واللحوم غير المصنعة.
ينصح الخبراء بالتقليل قدر الإمكان من تقديم اللحوم المصنعة للأطفال والحوامل، نظرا لحساسية هذه الفئات وتأثير التعرض المزمن لمثل هذه المنتجات على المدى البعيد.
بهذا، يبقى اللانشون جزءا من قصة عالمية عن الفقر والحروب وسلاسل الغذاء الحديثة، لكنه في الوقت نفسه تذكير بما يمكن أن تفعله المعالجة الصناعية في قطعة لحم كانت في الماضي تُطهى على النار مباشرة، قبل أن تمر بمختبرات الكيمياء وخطوط الإنتاج الطويلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة