اكتشف جواد فيروز، وهو سياسي سابق في البرلمان البحريني أنه فقد جنسيته صدفة، فقال فيروز لـ DW : "كنت في رحلة قصيرة إلى لندن، عندما قررت وزارة الداخلية سحب جنسية عدد من المعارضين. قرأوا 31 اسماً على التلفاز، وكان اسمي من بينها. لقد كانت صدمة كبيرة، لأنني لم أدعُ قط إلى إسقاط الحكومة".
حدث ذلك في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، وكان فيروز قد استقال من البرلمان البحريني احتجاجاً على قتل قوات الأمن للمتظاهرين خلال ما يُسمى بالربيع العربي ، اعتُقلَ وعُذّبَ حينها وتم سحب جنسيته.
فيروز ليس الوحيد الذي سُحبت جنسيته، إذ سحبت السلطات البحرينية الجنسية من نحو 990 شخصاً آخرين.
وبعد أن أصبح فيروز عديم الجنسية تقدم بطلب لجوء في بريطانيا، وحصل على الجنسية البريطانية، ويدير اليوم منظمة "سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان"، لكنه يخشى أن ما حدث له سيحدث للعديد من البحرينيين الآخرين، نتيجة للحرب في إيران.
حرب إيران تُعيد قضية سحب الجنسيات إلى الواجهة من جديد، وخاصة في دول الخليج ، بعد أن استهدفت إيران في ردها دولاً خليجية مثل البحرين و عُمان و الإمارات العربية المتحدة و المملكة السعودية .
البحرين مثلها مثل باقي دول الخليج، هي دولة ملكية تقمع معظم أشكال المعارضة السياسية، ولكنها تختلف عن دول الخليج الأخرى بأن العائلة المالكة سنية، في حين تشير التقديرات إلى أن أكثر من 50 بالمئة من سكانها هم من الشيعة.
وفي مارس/ آذار الماضي، اعتُقل حوالي 250 شخصاً في البحرين بتهمة نشر رسائل مناهضة للحرب على الإنترنت ، أو عبروا عن "تعاطفهم" مع إيران ، أو شاركوا في مظاهرات. وتقول البحرين إنها اعتقلت أيضاً جواسيس يعملون لصالح إيران.
وفي أواخر نيسان/ أبريل، أعلنت الحكومة صراحةً أنها ستراجع جنسية أي شخص "غير موالٍ" للبلاد. ويعتقد فيروز أن البحرين تستخدم الجنسية مجدداً لأسباب أمنية، وأيضاً لأن السلطات تعلم أنها تستطيع استخدامها لقمع المعارضة.
وقال شخص بحريني آخر مقيم في الولايات المتحدة ، رفض الكشف عن هويته؛ لأن عائلته تعيش في البحرين: "أسمع عن اعتقالات لمواطنين يُنظر إليهم على أنهم متعاطفون مع الدولة المعادية. وبشكل خاص، يُربط الأشخاص من أصول فارسية، أو من أصول عربية وفارسية مختلطة، بإيران، بغض النظر عن آرائهم الحقيقية بشأن الصراع".
وأضاف: "تؤثر هذه الديناميكيات على طيف واسع من المجتمعات، ليس فقط الأقليات الشيعية، بل أيضاً المواطنين السنة من أصول فارسية".
يقول فيروز إن البحرينيين الذين سُحبت جنسيتهم هم في الغالب من الشيعة، بينما الذين مُنحوا الجنسية هم في الغالب من السنة، وكثير منهم انتقلوا إلى البحرين من أماكن أخرى..صورة من: Tetiana Chernykova/Zoonar/picture allianceفي مارس/ آذار 2024، أطلقت الحكومة الكويتية حملة لسحب الجنسية، وترجّح مصادر أن أكثر من 70 ألف كويتي قد فقدوا جنسيتهم منذ ذلك الحين، وقد يصل العدد الحقيقي إلى 300 ألف؛ لأن المعالين، كالزوجات والأبناء والأحفاد، يفقدون أيضاً الجنسية الكويتية تلقائياً جراء ذلك.
وإذا صحّت التقديرات، فهذا يمثّل حوالي ثلث السكان، إذ لا يتجاوز عدد المواطنين الكويتيين 1.56 مليون نسمة.
كما أصدرت الحكومة الكويتية في منتصف أبريل/ نيسان تعديلات جديدة على قانون الجنسية، ما أدى إلى فقدان أكثر من ألفي شخص جنسيتهم الكويتية.
وفي تقرير صدر في فبراير/ شباط 2026 عن الكويت كتبت شبكة أبحاث المرصد العالمي للمواطنة: "يكشف نظام الجنسية المتطور في الكويت كيف يمكن تحويل الجنسية إلى أداة سياسية للسيطرة".
وقال توماس ماكجي، خبير المرصد في شؤون الشرق الأوسط: "من السابق لأوانه تحديد ما إذا كان هناك اتجاه متزايد مرتبط بالنزاع الأخير مع إيران. ما نشهده الآن هو لجوء عدد من دول الخليج إلى استخدام الحرب الإيرانية ذريعة لتشديد ضوابط الجنسية القائمة، بدلاً من استحداث هذه الممارسات من الصفر".
وبالنسبة لسلطة عُمان، فقد عدّلت قوانين الجنسية لديها في فبراير/ شباط 2025، حيث تنص بعض بنود القانون على إمكانية سحب الجنسية العُمانية في حال ارتكاب المواطنين "إساءة لفظية أو جسدية ضد سلطنة عُمان أو السلطان نفسه"، أو في حال انضمامهم إلى منظمة قد تضر بالبلاد.
ويقول نشطاء حقوق الإنسان إنه نظراً لعدم وجود تعريف واضح لتلك الأفعال أو المنظمات، يمكن للحكومة أن تستخدم القانون ضد معارضيها.
كما اتُهمَت الإمارات العربية المتحدة مؤخراً باتخاذ إجراءات مماثلة ضد الإيرانيين المقيمين على أراضيها، إذ تبيّن أنها سحبت الإقامات من بعضهم رغم نفي السلطات الإماراتية ذلك، قائلةً إن الوافدين جزء من مجتمعها، إلا أن وسائل إعلام مثل صحيفة نيويورك تايمز أجرت مقابلات مع إيرانيين سُحبت إقاماتهم.
وهناك مخاوف من اتخاذا إجراءات مماثلة في إيران، إذ هدد سياسي إيراني الأسبوع الماضي بسحب الجنسية من الإيرانيين المغتربين إذا ثبت تعاونهم مع "دول معادية".
هذا التوجه لا يقتصر على الشرق الأوسط بل وفي أوروبا و الولايات المتحدة أيضًا، ففي الأسبوع الماضي ضغطت إدارة دونالد ترامب مجددًا على وزارة العدل الأمريكية لسحب الجنسية من مئات الأمريكيين، وأصدرت توجيهات جديدة تشدد على فحص الآراء السياسية للأشخاص المتقدمين للحصول على الإقامة.
كما انتقدت منظمة هيومن رايتس ووتش ورقة عمل مسربة حول الهجرة من قبل أحزاب سياسية محافظة في ألمانيا ، تشير إلى إمكانية سحب جوازات السفر الألمانية من حاملي الجنسية المزدوجة إذا اعتُبروا "داعمين للإرهاب ومعادين للسامية ومتطرفين".
وما يجعل من السهل استخدام الجنسية كسلاح ضد الافراد هو اعتبارها خلال العقدين الماضيين على أنها امتياز وليست حق، وفق خبراء.
فلم يكن هذا هو الحال بعد الحرب العالمية الثانية، فتنص المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كُتب لأول مرة أن الجنسية حق أساسي من حقوق الإنسان ، وجاء ذلك كردّ على قيام النازيين بجعل عشرات الآلاف من اليهود والمعارضين السياسيين عديمي الجنسية بموجب " قانون سحب الجنسية " الصادر عام 1933.
وبيّنت دراسة أجراها المرصد العالمي للمواطنة ومعهد انعدام الجنسية والإدماج (ISI) في هولندا عام 2022 أنه في العقدين التاليين لهجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، "توسع نطاق استخدام سحب الجنسية لأسباب أمنية".
وقالت ليندسي كينغستون، أستاذة حقوق الإنسان الدولية في جامعة ويبستر بولاية ميسوري الأمريكية لـ DW : "دفعت الهجمات الإرهابية، مثل هجمات 11 سبتمبر، الكثيرين إلى إعادة النظر في مفاهيم الجنسية القانونية، وبدأ الناس ينظرون إلى الجنسية على أنها غير دائمة، وأنها شيء يجب اكتسابه وتبريره باستمرار".
وأضافت كينغستون أن سحب الجنسية من شخص ما أصبح أكثر قبولاً، "حتى عندما كان ذلك يشكل انتهاكاً صارخاً لقوانين حقوق الإنسان".
بالرغم من أن سحب الجنسيات سلاح قديم، إلا أن حرب إيران فاقمت الوضع وفق خبراء، إذ أدّى الصراع إلى تباطؤ الإصلاحات في دول الخليج ، وفق ما جادل به محللون في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في الولايات المتحدة في أوائل أبريل/ نيسان، وكتبوا أن الحرب قد أربكت "التوازن الهش الذي كان يتشكل في الخليج بين الإصلاح المُتحكم به والاستقرار السياسي".
وأكد لوك فان دير بارين، الباحث القانوني في معهد الجامعة الأوروبية والمتخصص في قانون الجنسية، أن "الصراع العسكري قد يكون عاملاً مُحفزاً"، وأضاف: "لطالما كان الخيانة ذريعة لسحب الجنسية، ويتم الآن الاستناد إلى هذا المنطق في بعض دول الخليج".
كما أوضح الباحث لـ DW أن سياسات الجنسية غالبًا ما تتبع أنماطاً إقليمية قوية، قائلاً: "تميل الدول إلى تبني مقاربات مشابهة لجيرانها، وهو ما قد يفسر التغيرات الأخيرة في دول الخليج".
بينما يعتقد أمل دي تشيكيرا، المدير المشارك لمعهد الدراسات الدولية أنه يجب النظر إلى الأمر بصورة أوسع، وقال: "إذا نظرنا إلى البحرين ، سنجد ارتفاعاً حاداً في عمليات سحب الجنسية بعد عام 2013، ثمّ تعرّضت الحكومة البحرينية لضغوط دولية كبيرة لتصحيح تلك الأخطاء. وقد صحّحت مسارها إلى حدٍّ ما"، ولكن يبدو أن البحرين تعود إلى تلك الممارسات مجدداً.
أعدته للعربية: ميراي الجراح
تحرير: عماد غانم
المصدر:
DW