آخر الأخبار

لا سلم ولا حرب.. الإيرانيون يستعيدون نشاطهم بحذر

شارك

طهران– "ما نعيشه اليوم ليس سلاما ولا حربا، بل استنزاف نفسي واقتصادي.. نرتب الحياة اليومية على احتمالات متغيرة في انتظار أن تتبلور وجهة الصراع"، هكذا تعبر المواطنة الإيرانية يسرا (47 عاما) عن نمط حياتها في ظل استمرار الهدنة بين بلادها والولايات المتحدة والخشية من تجدد النزاع بين ليلة وضحاها.

وفي حي "نواب صفوي" غربي العاصمة طهران حيث تبدو الشوارع مكتظة بالمارة والحركة بمراكز التسوق نشطة نسبيا، تقول يسرا "أشعر بأني معلقة بالفعل بين حائطين، جدار القلق من استئناف الحرب، وجدار الأمل في توصل المسار السياسي الراهن إلى سلام يبعد شبح الحرب عن البلاد".

بالتزامن مع تواصل الوساطة الباكستانية بين طهران وواشنطن ولقاءات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في كل من إسلام آباد ومسقط وموسكو، قامت الجزيرة نت صباح اليوم الاثنين بجولة ميدانية بطهران، يظهر فيها أن نشاط الطهرانيين في الشوارع والأسواق يبدو قريبا مما كانت عليه العاصمة قبل الحرب، بيد أن آثار القصف ما زالت شاخصة في العديد من الشوارع والأحياء السكنية والمقرات الرسمية.

مصدر الصورة آثار القصف ما زالت ظاهرة في العديد من الشوارع (الجزيرة)

الحركة الشرائية

وفي الطريق الواصل إلى منطقة "الدكتور قريب" ثم شارع طالقاني وصولا إلى حي "ويلا" وسط المدينة، توقفت الجزيرة نت في ثلاثة محال تجارية يكاد يجمع أصحابها على أن نازحي الحرب قد عادوا إلى طهران خلال الأيام الأولى من الهدنة، وخرج الناس لشراء احتياجاتهم، وكأنهم يريدون تعويض ما فاتهم خلال أيام الحرب.

لكنهم ينقسمون بشأن الحركة الشرائية؛ بين من يعتقد أن "الحركة الشرائية تستمر بنفس الوتيرة التي كانت عليها قبل الحرب"، وآخر يشكو "تراجع عدد الزبائن جراء ارتفاع الأسعار"، وثالث يستشرف "موجة غلاء جامحة لم تظهر معالمها بعد بسبب التسعير الحكومي على السلع الأساسية".

إعلان

من جانبه، يؤكد أشكبوس (43 عاما) وهو موظف إداري في وزارة الصحة، أن الأسواق لم تشهد نقصا حتى الآن في السلع الأساسية، إذ تعتمد إيران على سياسة الاكتفاء الذاتي في كثير من المنتجات الغذائية، كما أنها لم تسجل ارتفاعات كبيرة في الأسعار، مما أسهم في استقرار الأوضاع المعيشية إلى حد بعيد.

لكنه سرعان ما يستدرك، أن "الوضع الحالي لا يعني غيابا كاملا للأزمة"، موضحا للجزيرة نت، أن أسعار بعض السلع الكهربائية مثل المكيفات، والمواد الغذائية مثل اللحوم، وكذلك الأدوية، ناهيك عن أسعار الحديد والصلب ومواد البناء تظهر تقلبات يومية، وأضحت أعلى من متناول الكثير من الأسر ذات الدخل المحدود.

مصدر الصورة المارة يسمعون ازيز آلات الحفر الخفيفة ورافعات الأثقال العاملة على إعادة إعمار بعض المباني (الجزيرة)

إعادة الإعمار

وبين الأزقة التي طالها القصف، يبرز التفاوت صارخا في وتيرة التعافي، ففي العديد من الأحياء السكنية حيث تحولت بعض المباني إلى ركام فيما تقف بعض المباني الأخرى صامدة رغم تصدع واجهاتها وانهيار بعض أجزائها، نسمع أزيز آلات الحفر الخفيفة ورافعات الأثقال، كما نرى عمالا يخلطون الإسمنت لترميم الجدران المتشققة، وحرفيين آخرين يعملون على إصلاح النوافذ المحطمة جراء موجات الانفجار.

ويقول عباس (63 عاما) وهو مهندس مشرف على ورشة بناء شرقي طهران، إنه "بالنسبة للأبنية التي تضررت جزئيا، الأولوية هي تأمينها سريعا لتكون صالحة للسكن"، ثم يشير بصمت إلى مبنى مدمر مجاور وكأنه يختصر المشهد الآخر من الأزمة، ويوضح للجزيرة نت أن "هذه الأطلال الصامتة لم تقترب منها يد العمران ولا أعتقد أنها ستبدأ قريبا أو على أقل تقدير حتى قبل انتهاء الحرب بالكامل".

وعند وقوفنا أمام المربع السكني المجاور -الذي تحول بالكامل إلى ركام متطاير- لا نرى أي حركة تذكر لإعادة الإعمار، حيث يبدو وكأن الزمن توقف عند لحظة القصف: قطع حديدية ملتوية تتدلى من الأسقف المنهارة، وبقايا أثاث منزلي متناثرة.

يعلق الشاب العشريني سجاد وهو أحد السكان السابقين الذي عاد لتفقد بيت أبيه المدمر، فيتساءل بنبرة حزينة "من سيبني كل هذا؟".

ويضيف في حديثه للجزيرة نت، أن السلطات المعنية في طهران تخير أصحاب المباني المدمرة بين القيام شخصيا بإعادة البناء أو الانتظار حتى تضع الحرب أوزارها نهائيا لتوكل هذه الورشات إلى مقاولين عبر مناقصات، مضيفا "إذا عادت الحرب غدا، سيكون كل ما نبنيه هدفا جديدا".

مصدر الصورة غالبية الأطلال الصامتة في طهران لم تقترب منها يد العمران بعد (الجزيرة)

فنادق وقروض

وفيما يبدو هذا التناقض سمة بارزة للهدنة المتواصلة بين ترميم عاجل للمباني المتضررة نسبيا، وتأجيل لما يحتاج فعلا إلى بناء من الأساس، نسأل أحد عمال ورشة البناء السابقة عن المدة المتوقعة لإنهاء المهمة، فيأتي الرد مخيبا للآمال -كما يصفه سجاد- "قد تستغرق عاما كاملا".

قبل أن يرهن النتيجة بالقول "هذا إذا توفر لنا الدعم المالي والهدوء الأمني"، واصفا إزالة الأنقاض دون التسبب بانهيارات إضافية للجدران المجاورة بأنها "عملية معقدة جدا".

أما قصة الدكتورة مريم (52 عاما)، فترسم الوجه الإنساني الآخر للأزمة، حيث كانت تقيم بالقرب من مكتب المرشد الأعلى فاستُهدف منزلها خلال الموجة الأولى من القصف، ثم وجدت نفسها وعائلتها في فندق وفرته الحكومة ضمن خطة الإيواء الطارئة، مؤكدة استلامها إشعارا بضرورة إخلائه والبحث عن سكن بديل.

إعلان

وأوضحت للجزيرة نت، أن السلطات المعنية أكدت أنها سوف تمنح المتضررين قرضا للإيجار، "لكن هذا المبلغ ضئيل جدا وقد لا يكفي لتوفير سكن يتناسب مع متطلبات الأسر التي فقدت بيوتها.. لا أدري كيف سنعيش في شقة صغيرة لا تشبه ذكرياتنا ولا تناسب احتياجاتنا؟".

وخلال جولتنا، تحدثنا مع المهندس المعماري محمد (39 عاما) الذي أكد توقف العديد من ورشات البناء جراء الحرب، موضحا أن تكلفة بناء الوحدة السكنية الواحدة في طهران قد تصل إلى عدة أضعاف ما كانت عليه قبل أشهر، نظرا لتضرر شركات الصلب وتزايد الطلب على مواد الإنشاء وتدهور العملة الوطنية جراء الحصار البحري.

وتابع حديثه للجزيرة نت، أن "الدولة تستطيع منح تعويضات أو قروض، لكن إعادة بناء آلاف الوحدات المدمرة بالكامل هو مشروع لا يمكن البدء به دون ضمانات دولية بعدم عودة القصف، وهو ما يفسر بقاء هذه الأطلال كما هي"، لتبقى مناطق واسعة من طهران شاهدة على حجم المأساة، وعالقة بين الحاجة الملحة للإعمار وقسوة الانتظار لما ستؤول إليه مفاوضات مصيرية لم تحسم بعد.

مصدر الصورة أسعار اللحوم الحمراء والدواجن تشهد ارتفاعا كبيرا (الجزيرة)

حصار وثغرات

في موازاة ذلك، تبقى معركة التصدير والاستيراد إحدى أبرز تجليات حالة اللاحرب واللاسلم الراهنة في إيران، ففي الوقت الذي تسعى فيه طهران إلى تحييد أثر الحصار البحري المفروض على موانئها الجنوبية من خلال تفعيل مسارات بديلة برية مع دول الجوار وأخرى عبر موانئها الشمالية بالإضافة إلى احتمالات توسيع استخدام " أسطول الظل" في المياه الخليجية، يقول التاجر فريدون (71 عاما) إن استمرار الحصار البحري سيرفع الكلفة اللوجستية قطعا.

وفي حديث للجزيرة نت، يقول فريدون إن خيار الاختناق الاقتصادي قد لا يكون ممكنا بالنسبة إلى بلد كبير مثل إيران، غير أن الحلول البديلة سوف تصطدم بواقع ميداني قاسٍ يعيشه رجال الأعمال والتجار، مضيفا أن الحديث الرسمي عن إيجاد طرق التفافية صحيح من حيث المبدأ، لكنه سيفقد التجار جزءا كبيرا من الزبائن القريبين من المياه الخليجية إذا طال أمد حالة اللاحرب واللاسلم.

مصدر الصورة وفرة السلع الأساسية على رفوف البقالة في طهران (الجزيرة)

ويفسر فريدون ذلك بأن تغيير مسارات الشحن ووسائط النقل أربك مواعيد التسليم ورفع أسعار السلع المستوردة والمصدرة، مما جعل كثيرا من تجار التجزئة والمستهلكين يحجمون عن الطلب أو يتجهون إلى بدائل محلية أقل جودة، وهو ما يهدد استمرارية أعماله التي بناها على مدى عقدين.

ويضيف التاجر السبعيني بنبرة لا تخلو من القلق، أن المعضلة الحقيقية لا تقتصر على إيجاد طرق بديلة، بل في ضبابية المشهد الكلي لأنه "لا يمكن المجازفة في الوقت الراهن.. كيف نطلب حاوية بضائع ولا نعلم إن كنا سنصحو غدا على عودة الحرب أو على حصار أكثر صرامة؟"، مؤكدا أن بعض زملائه اختاروا تجميد أعمالهم مؤقتا، بانتظار ما ستؤول إليه التطورات.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا