بعد أربعين عاما على انفجار المفاعل الرابع في محطة تشيرنوبيل، لم يعد الموقع ذكرى مأساوية من الماضي، كشاهد على أسوأ كارثة نووية في التاريخ، بل تحول إلى بؤرة قلق جديدة ونقطة التقاء بين خطرين متداخلين: إرث الانفجار النووي والحرب الدائرة في أوكرانيا.
من هذه المقدمة انطلقت صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطن تايمز ، موضحتين أن ما كان يُفترض أن يكون درسا من الماضي، أصبح اختبارا مستمرا للحاضر، وتهديدا مفتوحا للمستقبل، لا يقتصر على أوكرانيا وحدها، بل يمتد أثره المحتمل إلى أوروبا وما بعدها.
وقد ركزت نيويورك تايمز -في مقال مشترك بين أندرو إي. كرامر وإيفيلينا ريابينكو- على حال منطقة تشيرنوبيل اليوم، فرأتها فضاء متحوّلا على الأرض، عبارة عن مدن مهجورة تجمد فيها الزمن منذ 1986، ولا تزال شاهدة على حياة انقطعت فجأة.
ولا تزال هذه المنطقة التي أُخليت من سكانها منذ الكارثة على حالها تقريبا -حسب الصحيفة- منازل متداعية تكسوها النباتات، وأغراض شخصية تركها أصحابها على عجل، ومستويات من الإشعاع مرتفعة تجعل العودة إليها شبه مستحيلة، خاصة مع وجود نظائر مشعة طويلة العمر مثل البلوتونيوم.
ومع ذلك، حاولت أوكرانيا خلال السنوات الماضية التفكير في استغلالها اقتصاديا، عبر مشاريع مثل تخزين النفايات النووية أو بناء مفاعلات صغيرة أو إنشاء مزارع للطاقة الشمسية أو حتى تطوير "سياحة الكوارث"، غير أن الحرب جمدت معظم هذه الخطط إلى أجل غير مسمى.
ومنذ الغزو الروسي في فبراير/شباط 2022 -كما تقول الصحيفة- اكتسبت تشيرنوبيل بعدا عسكريا واضحا، إذ سيطرت القوات الروسية على المنطقة في الأيام الأولى من الحرب، واستخدمتها كنقطة انطلاق نحو كييف، ورغم انسحابها لاحقا، ظلت المنطقة عرضة لمخاطر مستمرة، أبرزها الألغام الأرضية التي تعيق عمل العلماء ورجال الإطفاء، وتزيد من احتمالات انتشار الإشعاع في حال اندلاع حرائق.
وقد أصبحت هذه المنطقة منطقة عسكرية مغلقة تؤدي دور "حزام أمني" على الحدود مع بيلاروسيا، في ظل استمرار التهديدات الروسية، وهي تُستخدم للتدريب، بعد أن غيّرت الحرب وظيفتها بالكامل، وباتت تحكمها اعتبارات الأمن قبل أي شيء آخر.
وأشارت نيويورك تايمز إلى تصاعد المخاوف بعد هجوم بطائرة مسيّرة في فبراير/شباط 2025، استهدف الغلاف الواقي الضخم الذي يغطي المفاعل المدمر، ورغم عدم تسرب إشعاعي، فإن الهجوم ألحق أضرارا بالبنية المصممة لاحتواء التلوث، مما أعاد إلى الواجهة خطر انهيار "التابوت" القديم الذي يغطي المفاعل.
ورغم كل ذلك تبرز مشاريع الطاقة الشمسية كاستثناء نسبي -حسب الصحيفة- فهي لا تتأثر بالإشعاع ويمكن توزيعها على مساحات واسعة، مما يجعلها أقل عرضة للهجمات، وبالفعل، تعمل محطتان للطاقة الشمسية في المنطقة، مع استمرار العمل على ثالثة رغم الحرب.
أما عسكريا، فقد تحولت تشيرنوبيل -حسب الصحيفة- إلى منطقة محصنة بالكامل، مزودة بحواجز مضادة للدبابات وأسلاك شائكة وأنظمة دفاع ضد الطائرات المسيّرة، وتُستخدم أيضا كميدان تدريب للقوات الأوكرانية، مع اتخاذ احتياطات خاصة لتجنب التعرض للإشعاع، مثل بناء تحصينات فوق سطح الأرض بدل حفر الخنادق.
وخلصت الصحيفة إلى أن تشيرنوبيل لم تعد مجرد موقع لكارثة تاريخية، بل أصبحت رمزا لتراكم الأزمات، من منطقة ملوثة بالإشعاع، إلى مسرح محتمل لصراع عسكري، ومصدر قلق بيئي وأمني يتجاوز حدود أوكرانيا، مما يعني أن مستقبلها سيظل مرهونا بالاعتبارات الأمنية، أكثر من أي خطط للتنمية أو إعادة التأهيل.
ومن جهتها، قدمت واشنطن تايمز -في مقال بقلم غيوم بتاك- قراءة تحذيرية لموقع كان يُعتقد أنه أصبح تحت السيطرة، وتناولت الموضوع من زاوية استراتيجية وتقنية، تركز على حالة البنية التحتية النووية، ومخاطر الضربات العسكرية، وسلامة "الاحتواء"، والتداعيات الدولية.
وأوضحت الصحيفة أن تشيرنوبيل اليوم ما تزال واحدة من أعقد عمليات التنظيف النووي في العالم، حيث تحاصر بقايا الانصهار النووي داخل هيكل هندسي ضخم يُسمى "الاحتواء الآمن الجديد"، أُنجز عام 2016 بتمويل دولي وبتكلفة تجاوزت ملياري دولار، وهذا القوس الفولاذي العملاق صُمم ليعزل المواد المشعة لمدة قرن، وهو يغطي "التابوت" السوفيتي القديم الذي بُني على عجل بعد الانفجار.
غير أن هذه المنظومة رغم تعقيدها، أُنشئت -كما تقول الصحيفة- لمواجهة الزمن والعوامل الطبيعية، لا لمقاومة الحروب، وقد ظهر خلل الافتراضات بوضوح في فبراير/شباط 2025، عندما استهدفت طائرة مسيّرة روسية الجزء العلوي من الهيكل، مما أدى إلى اندلاع حريق وإلحاق أضرار بطبقات حيوية مسؤولة عن إحكام العزل.
ورغم أن مستويات الإشعاع بقيت مستقرة ولم يحدث تسرب، فإن الضربة كشفت هشاشة نسبية في منظومة الأمان، وقلّصت هامش السلامة الذي تعتمد عليه جهود الاحتواء منذ عقود، وتكمن الخطورة في أن داخل هذا الغلاف توجد مواد شديدة الخطورة، عبارة عن وقود نووي منصهر، وغبار مشع، وحطام غير مستقر.
ومع استمرار تدهور "التابوت" الداخلي، يعتمد الخبراء بشكل متزايد على الغلاف الخارجي لمنع أي تسرب، وبالتالي، فإن أي ضرر إضافي قد يؤدي إلى تغيير جذري في مستوى الخطر، وربما إطلاق مواد مشعة في البيئة.
وأشارت الصحيفة إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية أضافت بُعدا جديدا لهذا التهديد، إذ أصبح الموقع الذي كان يُفترض أن يكون منطقة علمية مغلقة، محاطا بنشاط عسكري مستمر، تعبر أجواءه الطائرات المسيّرة بشكل متكرر، وينتشر فيه عدد من الجنود يفوق عدد العلماء، وهذا لا يزيد فقط من احتمال الاستهداف المباشر، بل يجعل الموقع عرضة لأخطاء أو حوادث غير مقصودة.
وإلى جانب التهديدات المباشرة، تعاني منظومة السلامة من ضغوط مستمرة -حسب واشنطن تايمز- فهي تعتمد على استقرار الكهرباء، والمراقبة الدائمة، وإمكانية الوصول إلى مختلف أجزاء الموقع، وهي شروط يصعب ضمانها في ظل الحرب، كما أن أعمال الإصلاح معقدة وبطيئة بسبب القيود الإشعاعية، التي تحد من مدة عمل الفرق الفنية.
وفي هذا السياق، يبرز بعد أوسع يتجاوز تشيرنوبيل نفسها، وهو أن أنظمة السلامة النووية في العالم صُممت لعصر مختلف، ولم تؤخذ في الحسبان سيناريوهات الحروب الحديثة، ويتكرر هذا الخطر في محطة زابوريجيا النووية الأكبر في أوروبا، حيث أدى الوجود العسكري وانقطاعات الكهرباء إلى تصاعد المخاوف من حادث نووي جديد.
ورغم أن مستويات الإشعاع في تشيرنوبيل مستقرة نسبيا اليوم، وأن الحياة البرية عادت إلى بعض مناطقها، فإن هذا "الاستقرار" يبقى هشا، لأن الموقع لا يعتمد الآن على الهندسة والتقنيات فقط، بل على مسار الحرب الدائرة حوله، والمفارقة تكمن في أن الكارثة تم احتواؤها من الناحية التقنية، لكن الأمان لم يعد مضمونا.
وخلصت الصحيفة إلى أن تشيرنوبيل لم تعد مجرد ذكرى من الماضي، بل صارت تحذيرا متجددا، كما لم تعد مجرد رمز لفشل نووي، بل أصبحت مثالا حيا على كيف يمكن للصراعات الحديثة أن تعيد إحياء أخطار كان يُعتقد أنها أصبحت تحت السيطرة، مهددة أوكرانيا، وربما نطاقا أوسع قد يمتد إلى أوروبا بأكملها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة