استضاف الكاتب روس دوثات في عموده بصحيفة نيويورك تايمز المحامية سارة إيسغور، وهي مراقبة قضائية محافظة، ومؤلفة كتاب "آخر فرع صامد"، وتحدث معها عن "استيلاء" الرئيس دونالد ترمب على السلطة، والسياسات الداخلية للمحكمة العليا، وهل ينبغي للأمريكيين أن يطمئنوا أم يقلقوا من أن القضاء المتسلط هو الحل لمواجهة رئاسة متسلطة، في ظل تراجع دور الكونغرس.
وانطلق الحوار من فكرة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، منذ عودته إلى الحكم، حاول اختبار حدود السلطة الرئاسية في الولايات المتحدة، من خلال فرض سيطرة واسعة على مؤسسات الدولة، واتخاذ قرارات كبيرة عبر الأوامر التنفيذية بدلا من المرور عبر الكونغرس.
ولكن رغم هذه المحاولات الجريئة، فإن معظم خطوات ترمب انتهت بالفشل، خاصة عندما وصلت إلى المحاكم، وبشكل متكرر أمام المحكمة العليا، وهذا ما دفع بعض المراقبين إلى القول إن مركز القوة الحقيقي في الديمقراطية الأمريكية اليوم لم يعد في البيت الأبيض، بل في السلطة القضائية.
وتوضح سارة إيسغور أن ما قام به ترمب ليس أمرا جديدا بالكامل، بل هو امتداد لمسار طويل في السياسة الأمريكية، حيث بدأ الرؤساء منذ أكثر من قرن في توسيع صلاحياتهم تدريجيا.
وذكّرت المحامية بعهدي ثيودور روزفلت وودرو ويلسون، اللذين كانا ينظران إلى الكونغرس على أنه مجموعة من الحمقى من مختلف الخلفيات، ويتساءلان ماذا لو اعتمدنا حكومة يديرها خبراء في السلطة التنفيذية؟ وبدلا من ترك القرار للكونغرس، سنختار أذكى الناس، وبدلا من الديمقراطية التمثيلية البالية، سنشهد ثورة دستورية ننقل بموجبها السلطة من الكونغرس إلى السلطة التنفيذية.
وبالفعل اعتمد رؤساء سابقون على الأوامر التنفيذية بشكل متزايد عندما عجزوا عن تمرير قوانين عبر الكونغرس، وهو ما جعل السلطة التنفيذية تتضخم مع مرور الوقت.
ترمب دفع الاتجاه إلى أقصى حد، بمحاولاته إدارة الدولة من خلال قرارات رئاسية مباشرة، إلا أن هذه التجربة وصلت إلى نقطة الانهيار، لأن القضاء تدخل مرارا ليوقف هذه القرارات، معتبرا أنها تتجاوز حدود السلطة الممنوحة للرئيس
لكن ما فعله ترمب هو أنه دفع هذا الاتجاه إلى أقصى حد، محاولا إدارة الدولة بالكامل تقريبا من خلال قرارات رئاسية مباشرة، إلا أن هذه التجربة وصلت إلى نقطة الانهيار، لأن القضاء تدخل مرارا ليوقف هذه القرارات، معتبرا أنها تتجاوز حدود السلطة الممنوحة للرئيس.
وعلى سبيل المثال، فشلت عدة سياسات رئيسية لترمب، مثل فرض تعريفات جمركية واسعة، أو اتخاذ قرارات تتعلق بالهجرة والجنسية، أو استخدام سلطات طارئة بطرق غير تقليدية، وحتى الحالات التي حقق فيها بعض الانتصار، كانت غالبا مؤقتة أو إجرائية، وليست انتصارات نهائية.
وتشير الكاتبة إلى أن المحكمة العليا تتبنى نهجا واضحا، فهي تمنح الرئيس حرية واسعة داخل نطاق السلطة التنفيذية، لكنها ترفض أن يتجاوز الكونغرس أو أن يسن سياسات جديدة دون تفويض تشريعي واضح، بمعنى أن الرئيس يمكن أن يدير الحكومة، لكنه لا يستطيع أن يشرع من تلقاء نفسه.
غير أن المشكلة الأكبر -حسب المقال- ليست فقط في طموحات ترمب، بل في ضعف الكونغرس، الذي أصبح عاجزا أو غير راغب في القيام بدوره التشريعي، ونتيجة لذلك، يلجأ الرؤساء إلى الأوامر التنفيذية، ثم تتدخل المحاكم لإيقافهم، مما يجعل القضاء في موقع الحكم النهائي في قضايا سياسية كبرى.
وترى الكاتبة أن المحكمة العليا تحاول، بشكل غير مباشر، إعادة التوازن إلى النظام، عبر إجبار الرئيس على العودة إلى الكونغرس لتمرير القوانين، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع إجبار الكونغرس على العمل، وهو ما يخلق حالة من الجمود وعدم الاستقرار.
ويخلص المقال إلى أن الولايات المتحدة قد تكون وصلت إلى نهاية تجربة استمرت قرنا كاملا، حاولت خلالها نقل جزء كبير من السلطة إلى الرئاسة، لكن هذه التجربة أظهرت حدودها، حيث لا يمكن للنظام أن يعمل بشكل متوازن دون كونغرس فعال، ولا يمكن الاعتماد على القضاء وحده لضبط التوازن بين السلطات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة