في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تفتح الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران فصلا جديدا من الجدل حول حدود القوة الأمريكية وإمكاناتها الحقيقية في حسم الصراع، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية على إدارة الرئيس دونالد ترمب.
وفي خضم هذا المشهد المتوتر، يبرز سؤال جوهري حول ما إذا كان لا يزال لدى ترمب خيارات متاحة تجاه إيران، أم أن مسار الأحداث يدفعه قسرا نحو تسوية تفاوضية.
هذا التساؤل شكل محورا رئيسيا في مقالات تحليلية نشرتها صحيفتا "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" (South China Morning Post) و"الاقتصاد" الصينيتان، حيث سعتا إلى تفكيك حسابات واشنطن وحدود تحركاتها السياسية والعسكرية في المنطقة، مما عكس حالة من الشك في قدرة الإدارة الأمريكية على مواصلة الحرب دون ثمن استراتيجي باهظ.
وفي مقال نشرته "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" تحت عنوان "هل نفدت خيارات ترمب؟" نقلت الصحيفة عن نيو شين تشون، مدير معهد البحوث الصينية العربية بجامعة نينغشيا، أن تصريحات الرئيس الأمريكي حول قرب انتهاء الحرب تعكس محاولة واضحة لطمأنة الرأي العام والأسواق في ظل ارتفاع أسعار النفط وتصاعد المعارضة الداخلية.
ويرى نيو شين تشون أن تزايد انقسام الحزب الجمهوري واقتراب انتخابات التجديد النصفي يمثلان ضغطا إضافيا يجعل من حديث ترمب عن النهاية تكتيكا سياسيا وليس واقعا محسوما.
ومن جانبه، أوضح الأكاديمي غو دينغ قوه، من جامعة شرق الصين للمعلمين، في مقال منشور بالصحيفة ذاتها، أن القانون الأمريكي يمثل عائقا حقيقيا أمام طموحات ترمب، إذ يقيد سلطة الرئيس في إدارة الأعمال العسكرية بزمن لا يتجاوز 60 يوما.
وبحسب تحليل غو دينغ قوه، فإن اقتراب الحرب من يومها الـ50 يضيق هامش المناورة القانونية والسياسية، مما يجعل تصريحات الرئيس بمثابة محاولة لحفظ ماء الوجه وتقديم صورة نصر كامل للناخب الأمريكي قبل نفاد المهلة القانونية.
وعلى الصعيد الميداني، رصدت الصحيفة تصعيدا أمريكيا متمثلا في مشاركة 10 آلاف جندي في الحصار البحري لـ مضيق هرمز، ليرتفع إجمالي القوات الأمريكية في المنطقة إلى 50 ألف جندي.
إلا أن الأكاديمي غو دينغ قوه يضع هذا الحشد في إطار سياسة الضغط الأقصى لتعويض نقص الذخائر، مؤكدا بنظرة ناقدة أن الولايات المتحدة قد أخطأت في تحويل ملف إيران إلى أولوية قصوى، وهو ما يهدد هدفها الاستراتيجي المتمثل في احتواء الصين وروسيا، وهي تحاول الآن تصحيح هذا المسار الاستراتيجي.
وأشار الخبراء الذين استطلعت الصحيفة آراءهم إلى إمكانية الوصول إلى حلول وسط تتعلق بمدد تقييد التخصيب وتخفيف تجميد الأصول الإيرانية.
وبحسب رؤية الصحيفة، فإن الوقت قد يكون في صالح إيران القادرة على تحمل الجمود، بينما تبدو واشنطن الطرف الأقل قدرة على تحمل كلفة الاستنزاف الطويل.
أما صحيفة الاقتصاد الصينية، فقد تناولت في مقال لها جولة المفاوضات الجديدة بوصفها إحدى آخر الخيارات المتاحة، مشيرة إلى تصريحات ترمب عن اقتراب تحقيق النتيجة النهائية واحتمال استئناف المحادثات في باكستان.
ونقلت تأكيدات نائب الرئيس فانس حول الرغبة في الوصول إلى اتفاق كبير مع إيران.
ورصدت صحيفة الاقتصاد تحضيرات أمنية وتنظيمية في إسلام آباد توحي باستضافة مفاوضات قادمة، مع احتمال اللجوء إلى جنيف كخيار بديل رغم حساسية إيران تجاهها بسبب تجارب سابقة.
ويرى التحليل المنشور في صحيفة "الاقتصاد" أيضا أن المفاوضات السابقة في إسلام آباد كانت بمثابة اختبار للنوايا، بينما يُتوقع أن تتحول الجولة المقبلة إلى صفقة محددة تشمل السيطرة على مضيق هرمز، والبرنامج النووي، وتعويضات خسائر الحرب التي تقدرها طهران بنحو 270 مليار دولار.
وأوضحت الصحيفة أن إدارة ترمب تحاول استخدام ورقة الحصار البحري لإضعاف موقف إيران التفاوضي، بينما تصر على إخراج اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية واعتماد آليات تحقق صارمة.
كما سلطت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست (South China Morning Post) الضوء على الجانب الاقتصادي، ناقلة نفي البيت الأبيض للسعي إلى تمديد وقف إطلاق النار، مع الإشارة إلى أن هناك محادثات قيد الإعداد قد تُجرى في باكستان.
وأوردت قرار وزارة الخزانة بإنهاء الإعفاءات النفطية وتحذير البنوك الصينية من عقوبات ثانوية. وبحسب رؤية الصحيفة، فإن هذا التشديد يهدف إلى تعزيز أوراق الضغط التفاوضي بالتوازي مع خطاب رسمي يبدي تفاؤلا حذرا بإمكانية الوصول إلى اتفاق ينهي الأزمة.
وفي الختام، شددت صحيفة الاقتصاد الصينية على أن التناقضات الجوهرية وضعف الثقة المتبادلة يجعلان الحل الصعب أمرا واقعا، مشيرة إلى المفارقة الصارخة بين حديث ترمب عن تسوية نهائية واستعداد واشنطن لإرسال آلاف الجنود الإضافيين في الوقت ذاته.
وهذا التناقض، وفقا لصحيفة الاقتصاد، هو الدليل الأكبر على أن الولايات المتحدة لم تستقر بعد على خيار حاسم، فهي تتردد بين طريق التفاوض الشاق وبين مسار التصعيد العسكري الذي يحمل تكلفة مفتوحة على كل الاحتمالات، مما يترك خيارات ترمب معلقة بين ضغوط الميدان وقيود السياسة.
المصدر:
الجزيرة